أدباركم فتنقلبوا خاسرين . فتلكّأوا عليه وقالوا : إنّ البرد شديد . فقال : إنّهم يجدون البرد كما تجدون ، ثمّ تلا قوله - تعالى - : قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ . ( 168 ) فقام ناس منهم واعتذروا بكثرة الجراح في النّاس وطلبوا أن يرجع بهم إلى الكوفة أيّاما ثمّ يخرج ، فرجع بهم غير راض وأنزلهم نخيلة وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويقلّوا زيارة أهلهم ، فلم يقبلوا ودخلوا الكوفة حتّى لم يبق معه إلّا قليل ، فلمّا رأى ذلك دخل الكوفة فخطب النّاس فقال : أيّها النّاس استعدّوا لقتال عدوّ في جهادهم القربة إلى اللّه ودرك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحقّ لا ينصرونه ، موزعين بالجور والظلم لا يعدلون به ، وجفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، ويتسكّعون في غمرة الضلالة ، فأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ، وتوكّلوا على اللّه وكفى باللهّ وكيلا . فلم ينفروا فتركهم أيّاما ثمّ خطبهم بهذه الخطبة . و « أفّ » بالضمّ والتشديد والتنوين ، كلمة تضجّر وتكرهّ ، ولغاتها أربعون ، منها كسر الفاء كما في بعض النسخ . و « عوضا » و « خلفا » نصبهما على التمييز . و « دوران أعينهم » إمّا للخوف من العدوّ أو للحيرة والتردّد بين مخالفته - عليه السلام - والإقدام على الحرب ، وفي كليهما خطر عندهم . و « الغمرة » الشدّة ، وغمرات الموت سكراته الّتي يغمر فيها العقل . و « السكر » بالفتح ، ضدّ الصحو ، والاسم بالضمّ ، وسكرة الموت شدتّه وغشيته ، وفي الكلام إشارة إلى قوله - تعالى يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ( 169 ) . « يرتج عليكم حواري » أي يغلق عليكم
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 149
مساهمون: علي أنصاريان
ص١٤٩
هامش
( 168 ) - المائدة : 24 .
( 169 ) - الأحزاب : 19 .