و « عمل الدنيا » ما يفعله المكّلف فيها ، أو ما يصير بانضمام القربة والتوصل به إلى الطاعة طاعة . و « قد طامن » أي خفض ، ويقال : « طامن منه » أي سكنّه . و « قارب من خطوه » أي لم يسرع ومشى رويدا . و « شمّر » أي قصر ثوبه ، أو رفعه إظهارا لمتابعة السنّة . و « زخرف » أي زيّن ، « للأمانة » أي لأن يجعلوه أمينا على أموالهم وأعراضهم ، ويحتمل تعلقّه بالأخير وبالجميع . « واتّخذ ستر اللّه » أي التقوى والعمل بشرائع الدّين ، فإنّ اللّه حرّم تتبّع عورات من ظاهره الصلاح وذكر عيوبه .
قال الكيدريّ في كتاب المضاف والمنسوب : « ستر اللّه » الإسلام والشيب والكعبة وضمائر صدور النّاس ، يعني جعل ظاهر الإسلام وما يحبهّ صدره بحيث لا يطّلع عليه مخلوق وسيلة وطريقا إلى معصية اللّه . انتهى .
وأقول : يحتمل أن يكون المراد أنهّ اتّخذ ستر اللّه على عيوبه حيث لم يفضحه ولم يطّلع الناس على بواطنه ذريعة إلى أن يخدع الناس . و « الضئولة » الحقارة . و « السبب » الحبل وما يتوصّل به إلى غيره . و « المراح » المكان الّذي تأوي إليه الماشية في الليل .
و « المغدى » ما تأوي إليه بالغداة ، ولعلّ المعنى : ليس يومه كيومهم في الصوم وغيره ، ولاليله كليلهم في العبادات . و « المرجع » بكسر الجيم ، مصدر أو اسم مكان ، والمراد به من إليه مصر العباد ، أو القيامة ، أو الرجوع إليهما . وغضّ البصر عن المعاصي أو الأعمّ لخشوعهم أو للحياء أو أبصار قلوبهم عمّا سوى اللّه . و « الشريد » الطريد . و « النادّ » المنفرد ، والمراد به المتوحّش من الناس الذاهب في الأرض إمّا لعدم صبره على رؤية المنكرات أو لكثرة أذى الظالمين في الأوطان لإنكاره المنكر وأشباه ذلك . و « قمعه » ضربه بالمقمعة وقهره وذللّه . و « المكعوم » الّذي لا يمكنه الكلام كأنهّ شدّ فوه من التقيّة بالكعام الّذي يجعل في فم البعير عند الهياج . و « الثكل » الحزن على فقد الأقارب ، ولعلّ المعنى أنّ بعضهم ترك الأوطان أو مجامع الناس لما ذكر ، وبعضهم لم يترك ذلك وينكر منكرا ثمّ يخاف ممّا يجري عليه بعد ذلك ، ومنهم من هو بينهم ولا ينهاهم تقيّة ومعرض عنهم ومشتغل بالدعاء ، ومنهم من هو بينهم بالضرورة ويرى أعمالهم ولا يؤثّر نهيه فيهم فهو كالثكلان الموجع .
شرح نهج البلاغة المقتطف من بحار الأنوار للعلامة المجلسي — صفحة 142
مساهمون: علي أنصاريان
ص١٤٢