جريان البراءة فيما تردّد أمره بين الأقل والأكثر ، واتّفاقهم على البراءة في الشبهات الموضوعية التحريمية لعلّه من جهة أنّهم يرون النهي الغيري المستفاد منه المانعية نهياً واحداً متعلّقاً بالطبيعة ، ولا ينحلّ إلى نواهٍ عديدة حسب تعدّد الأفراد ، فيكون العلم بتعلّق النهي بالطبيعة موجباً لتنجّزه على المكلّف ولو مع الشكّ في فردية شيء لها ، وذلك للعلم بفعلية التكليف والقدرة على امتثاله . وهذا بخلاف النواهي النفسية المنحلّة إلى النواهي الكثيرة حسب كثرة الأفراد الخارجية ، فإذا شكّ في فردية شيء لموضوعاتها فلا مناص عن الرجوع إلى البراءة .
وهذا الوجه وإن لم يكن تامّاً عندنا ، إلّاأنّه يندفع به تعجّب شيخنا الأستاذ العلّامة ( قدّس سرّه ) « 1 » من ذهاب المشهور إلى البراءة في المقامين وإلى عدم الجواز في المقام . وسيتّضح « 2 » الحال فيما كان الحكم متعلّقاً بالطبيعة أو الأفراد من حيث الرجوع إلى البراءة والاحتياط ، ونبيّن إن شاء اللَّه تعالى أنّ مانعية الطبيعة غير معقولة ، بل لابدّ من الالتزام بمانعية كلّ فرد ، وعليه يكون القول بالبراءة في المقامين ملازماً للقول بالجواز في المقام . ولعلّ المشهور لم يلتفتوا إلى استحالة مانعية الطبيعة .
ويمكن أن يقال : إنّه لم يثبت من المشهور إلّاذهابهم إلى عدم الجواز في خصوص الساتر ، كما هو صريح عبارة العلّامة ( قدّس سرّه ) في المنتهى « 3 » بدعوى اشتراط الساتر بكونه من غير ما لا يؤكل لحمه .
ولعلّ المشهور ذهبوا إلى الشرطية أيضاً في خصوص الساتر ، وعليه فعدم ذهابهم إلى البراءة في المقام من باب السالبة بانتفاء الموضوع ، ومن جهة عدم بنائهم
هامش
( 1 ) لاحظ رسالة الصلاة في المشكوك : 312 ، كتاب الصلاة 1 : 210
( 2 ) في ص 73 وما بعدها
( 3 ) منتهى المطلب 4 : 236 / الفرع الثالث