فإنّه يرد عليه : أنّ الفعل إذا كان ضروري الوجود ولو لضرورة مباديه وامتنع عدمه في الخارج ، كيف يعقل البعث إليه أو الزجر عنه حقيقة ، أوليس التكليف وبعث الرسل وإنزال الكتب حينئذ من العبث واللغو الظاهر ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، أفهل أوجب تسمية الأمر النفساني إرادة واختياراً مع فرض ضرورة وجوده وكونه علّة الفعل صحّة البعث والزجر وصحّة العقاب والثواب .
وليت شعري ما هو الفارق بين الإرادة المفسّرة عنده وعند الفلاسفة بالشوق المؤكّد المحرّك للعضلات ، وبين الخوف الحادث للنفس الموجب للوقوع على الأرض أو أمر آخر ، فإن ترتّب الفعل على كلتا الصفتين ضروري ومن باب ترتّب المعلول على علّته ، وحدوث كلتا الصفتين في النفس خارج عن اختيارها ، فبماذا تفترق الصفتان غير تسمية الأولى بالإرادة والثانية بالخوف ، وبماذا صحّ التكليف والعقاب والثواب مع الأولى دون الثانية .
وأمّا ما ذكره في الجزء الثاني من الكفاية من أنّ بعث الرسل وإنزال الكتب إنّما لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته ، لتكمل به نفسه ، ويخلص مع ربّه انسه ، وليكون حجّة على من ساءت سريرته وخبثت طينته ، ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة « 1 » انتهى .
فيظهر جوابه ممّا بيّناه ، إذ الفعل بعد ضرورة وجوده وانتهائه إلى الذات كيف يعقل إقامة الحجّة على فاعله ، أفهل يعقل سلب الذاتي عن الذات بإقامة ألف حجّة ؟
أو يعقل تخلّف المعلول عن علّته !
وليت شعري كيف يعقل الجمع بين القول بأنّ الحياة والهلاك كلاهما عن بيّنة والقول بأنّ الفعل معلول للإرادة ويستحيل انفكاكه عنها ، والإرادة منتهية إلى
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : 261