فالظلم منه سبحانه وإن كان ممكناً ذاتاً إلّاأنّه مستحيل وقوعاً ، وهذا معنى ما ذكرناه سابقاً « 1 » من أنّ حكم العقل في هذه الموارد من فروع الحكمة النظرية دون العملية .
الثاني : أنّ منع استقلال العقل في حكمه بالتحسين والتقبيح يوجب سدّ باب الحجّة على العبد ، إذ كيف يمكنه التصديق بنبوّة مدّعيها مع إظهار المعجز مع عدم استقلال العقل بقبح إظهار المعجز على يد الكاذب ، وكيف يلزم نفسه بالطاعة والاجتناب عن المعصية لو لم يستقل العقل بقبح عقاب المطيع وصحّة عقاب العاصي .
وقد أجابت الأشاعرة عن ذلك بأنّ العقل وإن لم يستقل بشيء ممّا ذكر ، إلّا أنّ عادة اللَّه جرت على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، وعلى عدم التخلّف عن وعده ، وقد وعد المطيع الثواب والعاصي العقاب « 2 » .
وهذا الجواب لم يكن ينبغي صدوره عن عاقل واحد ، فكيف بما إذا أطبقت عليه كلماتهم ، وذلك لأنّه يرد عليه :
أوّلًا : أنّه من الذي اطّلع على عادة اللَّه سبحانه من الأزل إلى الأبد لولا استقلال العقل بقبح شيء عليه ، ولا سيّما فيما إذا كان الأمر ممّا يرجع إلى النشأة الآخرة ، وهل المؤمنون بالنبيّ الأول كانوا عالمين بجريان عادة اللَّه على عدم إظهار المعجز على يد الكاذب ، أو أنّهم بمقتضى فطرتهم وعقلهم السليم أدركوا استحالة تثبيت اللَّه سبحانه دعوى النبوّة الكاذبة بإظهار المعجز على يد مدّعيها .
وثانياً : لو سلّم إحراز جريان عادة اللَّه بشيء مع قطع النظر عن الحكم
هامش
( 1 ) في ص 10
( 2 ) راجع كشف الفوائد ( ضمن مجموعة الرسائل ) : 65