أفيشكّ عاقل في أنّه لو كان لأحدٍ عبدان وقد أطاعه أحدهما غاية الطاعة وتمرّد الثاني عليه غاية التمرّد ، فضرب المالك المطيع المنقاد وأهانه وأكرم المتمرّد غاية الإكرام ، في أنّ العقل يحكم بقبح فعله ، مع أنّه مالك لكلا العبدين وله التصرّف فيهما كيف ما شاء .
والسرّ في ذلك ليس إلّاما عرفت من عدم اختصاص الظلم بالتصرّف في ملك الغير بل أعمّ من ذلك ، ومعناه الجامع هو الخروج عن الجادّة الوسطى ، ووضع الشيء في غير محلّه ، والحاكم بقبحه على الإطلاق هو العقل .
تتميم يذكر فيه أمران :
الأوّل : أنّه ذكر بعضهم أنّ العقل وإن كان له أن يحكم بحسن شيء أو قبحه إلّا أنّ ذلك لا يعمّ أفعال اللَّه سبحانه ، إذ لا يحكم عليه أحد بشيء ، فإنّه الحاكم على الإطلاق ، وكلّ من سواه مخلوق له ومحكوم بحكمه ، لا يسأل عمّا يفعل وهم يسألون .
والجواب عن ذلك : ما عرفت في الأمر الرابع « 1 » من الأمور التي قدّمناها من أنّ حكم العقل على اللَّه تعالى ليس معناه هو مسؤوليته للعقل ، أو إلزام العقل له بفعل أو بترك ، بل معناه إدراك العقل استلزام الكمال المطلق لأمرٍ ما .
فإذا قلنا : العقل يدرك قبح الظلم على اللَّه تعالى ، معناه أنّ العقل يدرك أنّ الخروج عن الجادّة الوسطى ووضع الشيء في غير محلّه - المعبّر عنه بالتعدّي أحياناً - ينشأ من أحد أمرين : إمّا جهل الفاعل بقبح ما يفعله ولو كان من جهة التقصير في التعلّم ، وإمّا حاجته مع العلم بقبحه ، وبما أنّ اللَّه سبحانه يستحيل فيه الجهل والاحتياج يستحيل فيه الظلم ، لا من جهة عدم قدرته عليه ، بل من جهة استلزامه المحال .
هامش
( 1 ) في ص 9 - 10