هذه هي الأدلّة التي أقاموها على اضطرار العباد في أفعالهم ، وقد ظهر عدم صلاحية شيء منها لإثبات مطلوبهم ، ولهم شبهات واهية أخرى ضربنا عنها صفحاً .
ثمّ إنّه لمّا أشكل على القائلين باضطرار العباد في أفعالهم وعدم اختيارهم على الفعل والترك بأنّ ذلك يستلزم قبح العقاب على الكفر والمعصية ، ولغوية بعث الرسل وإنزال الكتب ، أجابوا عنه بأنّ العبد وإن لم يكن مختاراً في أفعاله ، إلّاأنّه هو الكاسب لها ، والثواب أو العقاب إنّما هو لكسبه الإطاعة أو المعصية ، ولمّا لم يكن لكلمة الكسب معنى ظاهر في المقام فسّروه بمعانٍ ثلاثة :
الأوّل : ما نقله في مصابيح الأنوار من أنّه أمر يتّصف به العبد ، لا بمعنى إيجابه فاعليّته ، ولا اتّصافه بالفعل « 1 » .
وهو أمر في تعقّله غموض ، ولمّا كان التكلّم في صحّة هذا المعنى وفساده متوقّفاً على تعقّله وهو غير متعقّل أعرضنا عن التعرّض له .
الثاني : ما ينسب إلى الأشعري من أنّ معنى كون العبد كاسباً هو كونه محلّاً للفعل ، ككونه محلّاً للسواد والبياض « 2 » .
وهذا المعنى بيّن الفساد ، إذ كون العبد محلّاً لفعل ككون الجسم محلّاً للسواد والبياض خارج عن اختياره ، فلا يصحّ العقاب ولا بعث الرسل وإنزال الكتب .
الثالث : ما نسب إلى القاضي أبي بكر الباقلاني من أنّ نفس الفعل وإن لم يكن صادراً بالاختيار ، إلّاأنّ جعله معنوناً بعنوان الطاعة والمعصية بيد الفاعل
هامش
( 1 ) راجع مصابيح الأنوار 1 : 132
( 2 ) راجع كشف الفوائد ( ضمن مجموعة الرسائل ) : 60 - 61 ، كشف المراد : 308