كانت بظاهرها في غاية السخافة أعرضنا عن جوابها ، ولو أريد بها ما ذكره بعض متأخّري الفلاسفة ببيان أتمّ معروف عندهم بقانون العلّة فالجواب عنها يظهر عند التعرّض له ولجوابها عندما نتكلّم عن أقوال الفلاسفة وردودها « 1 » .
السادس : أنّ القدرة على الإيجاد صفة كمال ، لا يليق بالعبد الذي هو منبع النقصان .
وجوابه أوضح من أن يخفى على العاقل ، إذ نقصان العبد ليس إلّامن جهة ذاته الإمكانية التي لا تقتضي الوجود ولا العدم ، وأمّا بعد كونه محلّاً لإفاضة الوجود كيف يبقى على حالته الأوّلية ، ولا شكّ في ترتّب الأوصاف الكمالية على هذه الإفاضة بمقدار اكتسابه من الكمالات ، نعم اتّصاف العبد بالكمال المطلق أمر مستحيل ، ولا نقول به .
وتوضيح ذلك : أنّ ما يتصوّر من الكمال على قسمين :
الأوّل : الكمال غير المحدود بحدّ الذي هو من لوازم وجوب الوجود ، فهو مختصّ باللَّه تبارك وتعالى .
الثاني : الكمال المحدود بحدّ خاصّ ، ولا مانع من اتّصاف الممكن به بإفاضته تعالى عليه ، فالممكن وإن كان فقيراً بذاته لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضرّاً ، إلّاأنّه بفضل اللَّه ولطف عنايته يتّصف بصفات كمالية ، ومنها القدرة على الفعل والترك ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة . أوليس العلم والكرم وسائر الأخلاق الفاضلة من الكمالات ، بل لا غرو في أن يصل العبد بمجاهداته ورياضاته في مراتب الكمال إلى حدّ يكون مظهراً للصفات الإلهية ، وبذلك يصير متصرّفاً في الموجودات التكوينية .
هامش
( 1 ) في ص 70