جميع ذلك منتهياً إلى إرادة اللَّه الأزلية ، ونتيجة ذلك أنّ العبد مختار في فعله ومضطرّ في اختياره وإرادته ، كما يشير إليه بقوله في البيت : وباختياره اختيار ما بدا .
وهذا القول وإن كان دون القول الأوّل في وضوح فساده ، إلّاأنّه يشترك معه في أصل الفساد ، وفي ترتّب التوالي الفاسدة عليه .
وهناك عقائد مختلفة ببيانات متشتّتة للفلاسفة المتأخّرين ، فمنهم من يريد إثبات الاختيار بمقدّمات تنتهي إلى الجبر ، ومنهم بالعكس ، وبعضهم يرى منشأ صدور الأفعال هو الأوصاف النفسية التي ليست تحت اختيار الإنسان بوجه من الوجوه ، إمّا من جهة كونها مخلوقة للَّهتعالى بجميع شؤونها ، أو من جهة انتقالها عن الآباء والامّهات بقاعدة الوراثة .
ومن المباني المهمّة عندهم المذهبان المعروفان : قانون العلّة العامّة وقانون الغاية ، فالجبر مقتضى المذهب الأوّل والاختيار مقتضى المذهب الثاني ، ونحن نتكلّم فيهما أيضاً بقدر الحاجة والكفاية إن شاء اللَّه تعالى .
الرابع : مذهب الإمامية العادلة ، وهو المذهب الحقّ الصحيح ، وذهابهم إليهم إنّما هو من نتائج تمسّكهم بأهل بيت العصمة ، الراسخين في العلم ، المطّلعين على الحقائق برمّتها .
وخلاصة مذهبهم في الأفعال : أنّ القدرة على الفعل والسبيل إليه إنّما هو من اللَّه عزّوجلّ ، وأمّا إعمال القدرة والسلطنة فمن العبد ، فالعبد هو فاعل الفعل وموجده حقيقة ، فعليه تكون لكلّ ما يصدر من العبد جهتان وإضافتان : إضافة إلى اللَّه تعالى لأنّه معطي القدرة ، وإضافة إلى العبد لأنّه أعملها وأخرجها إلى الفعل .
وهذا هو معنى ما تواتر عنهم ( سلام اللَّه عليهم ) في باب الأفعال ، المعبّر عنه في ألسنتهم ( سلام اللَّه عليهم ) « 1 » بالأمر بين الأمرين ، والمنزلة بين المنزلتين ، ولطف من ربّك
هامش
( 1 ) راجع الكافي 1 : 160 / باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين ح 13 ، البحار 5 : 22 / 30 ، 91 ، المصدر المتقدّم من الكافي ح 8