وأمّا الأمر الثاني : فبعد فرض التعارض وعدم إمكان الجمع بينهما بأحد الوجوه المذكورة لابدّ من ملاحظة الترجيح بينهما ، والأخذ بما يقتضيه ، وهو كما ذكروه في محلّه « 1 » يكون بأمور ، منها الترجيح بجهة الصدور ، وهو الذي يكون الترجيح بها في مسألتنا على الأكثر ، وستعرف إن شاء اللَّه « 2 » شهرة القول عند العامّة في زمان الأئمّة ( عليهم السلام ) بعدم اختيار العباد في أفعالهم ، بل لا يخفى أنّ أكثر الروايات الواردة في باب المعارف من أهل بيت العصمة ( عليهم السلام ) المخالفة للدليل العقلي إنّما صدرت تقيّة وخوفاً من الظالمين .
فهذه هي الأمور التي رأينا من اللازم تقديمها على المقصود ، لترتّب فوائد عظيمة عليها .
في بيان المذاهب في أفعال العباد
ونشرع بعد ذلك فيما اشتهر في أفعال العباد من الأقوال ، وهي أربعة :
الأوّل : ما ذهب إليه الأشاعرة « 3 » من أنّ كلّ ما يصدر عن العبد فهو اضطراري له ، بمعنى أنّه ليس له اختيار أن يفعل وأن لا يفعل ، فالفعل والترك لا يستند شيء منهما إلى اختياره ، وإنّما هو مقهور في كلّ ما يصدر عنه ، زعماً منهم أنّ في القول بذلك التزاماً بالتوحيد وفراراً من الشرك ، وقد غفلوا عمّا يترتّب عليه من التوالي الفاسدة .
وربما يعبّر عن الأشاعرة بالقدرية ، باعتبار إسنادهم جميع ما يصدر عن
هامش
( 1 ) مصباح الأصول 3 ( موسوعة الإمام الخوئي 48 ) : 495 وما بعدها
( 2 ) في ص 101 - 102
( 3 ) راجع شرح المواقف 8 : 145 - 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس