العبد إلى القضاء والقدر .
الثاني : مذهب المفوّضة « 1 » ، وهو يقابل المذهب الأوّل مقابلة تامّة ، حيث يرى الذاهبون إليه عدم استناد الأعمال والأفعال إلى اللَّه تبارك وتعالى بوجه من الوجوه ، وأنّ العبد هو الفاعل التامّ المستقلّ في جميع شؤونه ، وليس للَّهعزّ سلطانه أيّ مدخلية في وجود الفعل غير إحداث القدرة ، نعم له تعالى أن يمنع عن نفوذ إرادة العبد .
وربما يسمّون هذه الطائفة أيضاً بالقدرية ، لأنّهم يسندون الأفعال إلى قدرة العبد لا غير .
وهذه الطائفة أرادوا أن يتحفّظوا على عدل اللَّه جلّ شأنه فسلبوا عنه سلطانه ، كما أنّ الطائفة الأولى أرادوا التحفّظ على سلطانه فسلبوا عنه عدله ، فهم بين إفراط وتفريط .
الثالث : ما يظهر من كلمات الفلاسفة ، أعني بهم من كان قبل القرون الوسطى ، ومن يميل إلى مبانيهم من فلاسفة المسلمين ، كالفارابي وابن سينا وابن رشد والشيخ المقتول وغيرهم ، وخلاصة ما يظهر منهم أنّ صدور الأفعال وإن كان مستنداً إلى العباد وأنّهم الفاعلون لها ، إلّاأنّ فاعليّتهم بالواسطة ، أي أنّ إرادتهم من علل الأفعال الطولية الواقعة في النظام الجملي ، وأنّ كلّها مستند إلى الإرادة الأزلية .
وبين هذا القول وقول الأشاعرة فرق واضح ، لأنّ إسنادهم الأفعال إلى اللَّه عزّوجلّ إسناد بغير توسيط إرادة العبد واختياره ، فلا قدرة له على الفعل والترك أبداً ، وأمّا الفلاسفة فالفعل عندهم صادر بقدرة العبد وإرادته واختياره وإن كان
هامش
( 1 ) راجع شرح المواقف 8 : 146 / المقصد الأوّل من المرصد السادس