إنّما استقلّ بحسن الصدق الذي لا تترتّب عليه مفسدة ، وبقبح الكذب الذي لم يعرض عليه عنوان حسن عقلًا وشرعاً .
القسم الثالث : ما لا يكون في نفسه متّصفاً بالحسن ولا بالقبح ، وإنّما يكون اتّصافه بواحد منهما بتبع عروض عنوان آخر ، كالمشي بلا غرض يوجبه ، ونحوه من الأفعال المباحة عقلًا وشرعاً ، فإنّها في نفسها لا تكون قبيحة ولا حسنة ، كما أنّه إذا كانت لغاية قبيحة أو حسنة كانت قبيحة أو حسنة ، ومع قطع النظر عن عروض العنوان الخارجي لا يتّصف بشيء منهما ، والعقلاء لا يمدحون فاعله بفعله هذا ، ولا يذمّونه .
إذا عرفت ذلك ظهر لك جواب الأشعري فيما ذكره من الأمرين ، وتوضيح الجواب : أنّ استقلال العقل بقبح الكذب وحسن الصدق ليس على حذو استقلاله بقبح الظلم وحسن العدل لئلّا يعقل التخلّف في موردٍ ما ، وإنّما استقلّ بقبح الكذب فيما لم يتعنون بعنوان حسن عقلًا وشرعاً ، كما إذا كان موجباً لإنجاء مؤمن أو إصلاح ذات بينٍ ونحو ذلك ، والكذب في أمثال هذه الموارد لم يكن محكوماً بحكم العقل بالقبح من الأوّل ، لا أنّه كان قبيحاً وارتفع قبحه ، فعدم ثبوت الحكم له إنّما هو لعدم دخوله في موضوع القضيّة العقليّة ، لا أنّه خرج عنها بالتخصيص .
وأمّا النقض بالوعد على الكذب فيدفعه أنّ العقل لم يستقل بحسن الوفاء بالوعد مطلقاً ، وإنّما استقلّ به فيما إذا لم يكن الموعود به قبيحاً عقلًا وشرعاً ، وإلّا كان العمل بالوعد قبيحاً لا محالة ، وليس ذلك من باب التخصيص ، بل هو من باب التخصّص وارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه .
ثمّ لا يخفى أنّا لم نرد بلفظ الحكم في قولنا : يحكم العقل بقبح الظلم وحسن العدل واللطف على اللَّه تبارك وتعالى ، معناه الاصطلاحي المتبادر إلى الذهن من البعث والإلزام والإيجاب ونحو ذلك كي يقال باستحالته ، إذ كيف يعقل حكومة
مجمع الرسائل ( موسوعة السيد الخوئي ج 49 ) — صفحة رسالة في الأمر بين الأمرين 9
مساهمون: السيد الخوئي
صرسالة في الأمر بين الأمرين ٩