وأبداً على ما هو عليه في نفس الأمر وتقدّسه عمّا يوجب التّغيّر والسّنوح ونحوهما ؟
فاعلم : أنّ القوى المنطبعة الفلكيّة لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعةً واحدةً لعدم تناهيها ، بل إنّما ينتقش فيها الحوادث شيئاً فشيئاً وجملةً فجملةً مع أسبابها وعللها على نهج مستمرّ ونظام مستقرّ ، فإنّ ما يحدث في عالم الكون
والفساد إنّما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخّرة لله تعالى ونتائج بركاتها ، فهي تعلم أنّه كلّما كان كذا كان كذا ، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر مّا في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه ، فينتقش فيها ذلك الحكم ؛ وربّما تأخّر بعض الأسباب الموجبة لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقيّة الأسباب لولا ذلك السّبب ، ولم يحصل لها العلم بذلك السّبب بعدُ لعدم اطّلاعها على سبب ذلك السّبب ، ثمّ لمّا جاء أوانه واطّلعتَ عليه حكمتَ بخلاف الحكم الأوّل ، فيمحى عنها نقش الحكم السّابق ويثبت الحكم الآخر .
مثلًا : لمّا حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا لأسباب يقتضي ذلك ولميحصل لها العلم بتصدّقه الّذي يأتي به قُبَيلُ ( « 1 » ) ذلك الوقت لعدم اطّلاعها على أسباب التّصدّق بعدُ ثمّ علمت به ، وكان موته بتلك الأسباب مشروطاً بأن لايتصدّق ، فتحكم أوّلًا بالموت وثانياً بالبرء .
وإذا كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه متكافئة ، ولم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعدُ ، لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرّجحان بعدُ ، كان لها التّردّد في وقوع ذلك الأمر ولا وقوعه ؛ فينتقش فيها الوقوع تارةً ، واللاوقوع أخرى ؛ فهذا هو السّبب في المحو والإثبات والحكمة فيهما .
وأمّا صحّة نسبة البداء والتّردّد وأمثالهما إلى الله سبحانه مع إحاطة علمه ( عز وعجل )
هامش
( 1 ) - أي قبله بزمن يسيرٍ .