وإنّما قلنا بوجوب كونها عينه تعالى بهذا المعنى ، لأنّها لو كانت زائدة على ذاته تعالى وجوداً لافتقر إليها في حدّ ذاته ، فلا يكون غنيّاً بالذات من جميع الجهات - تقدّس ربّنا عن ذلك - وأيضاً لو كانت زائدة على ذاته لزم أن يكون في حدّ ذاته ناقصذ ، وأيضذ لو كان زائدة على ذاته فلا يخلو إمّا أن تكون مستندة إلى غيره ، كيف وليس وراءه شيء أو إلى ذاته كيف ، ومفيض الكمال لا يكون قاصراً عنه ، وأيضاً يلزم أن يكون ذاته من حيث هو بلا كمال أشرف منه من حيث هو كامل ، لأنّه بالاعتبار الأوّل مفيض وبالاعتبار الثّاني مستفيض ( « 1 » ) .
وصل [ واهب الكمال لا يجوز أن يكون ممنوّا في حدّ ذاته ]
وكما أنّ مفيض الوجود ليس مسلوب الوجود في مرتبة ، فكذلك واهب الكمال لا يجوز أن يكون ممنوّذ ( « 2 » ) في حدّ ذاته ، إذ المفيض لا محالة أكرم وأعلى وأمجد من المفاض عليه ، فكما أنّ في الوجود وجوداً قائماً بالذات غير متناه في التّأكّد وإلّا لم يتحقّق وجود بالغير ، فكذلك يجب أن يكون في العلم علم متأكّد قائم بذاته ، وفي الاختيار اختيار قائم بذاته ، وفي القدرة قدرة قائمة بذاتها ، وفي الإرادة إرادة قائمة بذاتها ، وفي الحياة حياة قائمة بذاتها ؛ حتّى يصحّ أن تكون هذه
الأشياء في شيء لا بذواتها بل بغيرها ؛ فإذن فوق كلّ ذي علم عليم بذاته ، وفوق كلّ ذي قدرة قدير بذاته ، وفوق كلّ ذي سمع سميع بذاته ، وفوق كلّ ذي بصر بصير بذاته ، إلى غير ذلك من صفات الكمال .
ويجب أن يكون جميع ذلك واحداً حقيقيّاً بالوجود ، لامتناع تعدّد الغنيّ بالذات
هامش
( 1 ) - زاد في أ : وهذا أشنع .
( 2 ) - في حاشية أ : ممنوّذ أي ناقصذ .