جميع الوجوه إلى الجميع وإن كان من الحوادث الزّمانيّة نسبة واحدة إيجابيّة ومعيّة قيّوميّة ثابتة غير زمانيّة ولا متغيرّة أصلًا ، والكلّ عنده واجبات وبغنائه بقدر استعداداتها مستغنيات ، كلّ في وقته ومحلّه وعلى حسب طاقته ، وإنّما إمكانها وفقرها بالقياس إلى ذواتها وقوابل ذواتها ، وليس هناك إمكان وقوّة البتّة .
فالمكان والمكانيّات بأسرها بالنسبة إليه سبحانه كنقطة واحدة في معيّة الوجود ، والسّماوات مطويّات بيمينه ، والزّمان والزّمانيّات بآزالها وآبادها كآنٍ واحدٍ عنده في ذلك جَفَّ ( « 1 » ) القلم بما هو كائن ، ما من نَسَمَة ( « 2 » ) كائنة إلّا وهي كائنة ، والموجودات كلّها شهاديّاتها وغيبيّاتها كموجود واحد في الفيضان عنه ، «
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
» ؛ ( « 3 » ) وإنّما التّقدّم والتّأخّر والتّجدّد والتّصرّم والحضور والغيبة في هذه كلّها بقياس بعضها إلى بعض ، وفي مدارك المحبوسين في
مطمورة ( « 4 » ) الزّمان المسجونين في سجن المكان لا غير ، وإن كان هذا لَمَماً يستغربه الأوهام ويشمئزّ عنه قاصرو الأفهام ، وأمّا قوله ( عز وعجل ) : «
كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ
» ( « 5 » ) فهو كما قاله بعض أهل العلم : « إنّها شؤون يبديها لا شؤون يبتديها ( « 6 » ) » . ( « 7 » )
هامش
( 1 ) - يبس .
( 2 ) - كلّ ما فيه روح .
( 3 ) - لقمان : 28 .
( 4 ) - أصله الحفيرة تحت الأرض تخبأ فيها الحبوب ، وهنا بمعنى السجن .
( 5 ) - الرحمن : 29 .
( 6 ) - في د : يبتدئها .
( 7 ) - أي يظهرها في الوجود الخارجي بعد أن كان معلومذ عند الباري ، لا أنّه يبتديها من غير أن يكون له علم بها في الأزل ، راجع : التعليقة على الفوائد الرضويّة : 117 ؛ الكشّاف : 4 / 47 ؛ قاله الحسين بن الفضل ؛ هو ولد قبل الثمانين ومأة المفسّر والمحدّث واللغوي وعالم عصره ، راجع الوافي بالوفيات : 13 / 18 ؛ سير أعلام النبلاء : 13 / 414 .