تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعارف — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
بصير ، أو أشار إلى ماء ، فقال : ما هو ؟ فأجاب بأنّه بارد ، أو إلى النّار ، فقال : حارّ ؛ فكلّ ذلك ليس بجواب عن الماهيّة البتّة . والمعرفة بالشيء هي معرفة حقيقته وماهيّته لا معرفة الأسامي المشتقّة ، فإنّ قولنا : حارّ ، معناه شيء مبهم له وصف الحرارة ، وكذلك قولنا : قادر وعالم ، معناه شيء مبهم له وصف العلم والقدرة ، وأمّا قولنا أنّه واجب الوجود ، فهو عبارة عن استغنائه عن الفاعل ، وهذا يرجع إلى سلب السّبب عنه ، وقولنا : إنّه يوجد عنه كلّ موجود ، يرجع إلى إضافة الأفعال إليه ، وإذا قيل له ما هذا الشّيء ؟ فقلنا : هو الفاعل ، لم يكن جواباً ، فكيف قولنا : هو الّذي لا سبب له ! لأنّ كلّ ذلك إخبار عن غير ذاته وعن إضافة له إلى ذاته إمّا بنفي أو إثبات ، وكلّ ذلك في أسماء وصفات وإضافات . فنهاية معرفة العارفين عجزهم عن المعرفة ، ومعرفتهم بالحقيقة أنّهم لا يعرفونه ، وأنّهم لا يمكنهم ألبتّة معرفته ، وأنّه يستحيل أن يعرف الله المعرفة الحقيقيّة المحيطة بكنه صفات الرّبوبيّة إلّا الله تعالى ؛ فإذا انكشف لهم ذلك انكشافاً برهانيّاً - كما ذكرناه - فقد عرفوه ، أي بلغوا المنتهى الّذي يمكن في حقّ الخلق من معرفته . وهو الّذي أشار إليه من قال : « العجز عن درك الإدراك إدراك » ، ( « 1 » ) بل هو الّذي عناه سيّد البشر ( ص ) حيث قال : « لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ » . ( « 2 » ) ولم يرد به أنّه عرف منه ما لا يطاوعه لسانه في العبارة ، بل معناه : إنّي لا أحيط بمحامدك وصفات إلهيّتك ، وإنّما أنت المحيط به وحدك . وقال ( ص ) : « إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار ، وإنّ الملأ
هامش
( 1 ) - نُسبت هذا الكلام إلى الصدّيق الأكبر ، عليّ ؛ راجع : شرح سنن النسائي : 1 / 104 . ( 2 ) - مصباح الشريعة : 55 ؛ عوالي اللئالي : 4 / 113 ، الجملة الثانية ، ح 176 .