أحسسنا ( « 1 » ) من حركة يده فكيف لا يظهر عندنا من لا يتصوّر في الوجود شيء داخل نفوسنا وخارجها إلّا وهو شاهد عليه وعلى عظمته وجلاله ، إذ كلّ ذرّة فإنّها تنادي بلسان حالها أنّه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها ، وإنّما تحتاج ( « 2 » ) إلى موجد ومحرّك لها ، يشهد بذلك أوّلًا تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا وتشكّل أطرافنا وسائر أجزائنا الظّاهرة والباطنة ، فإنّا نعلم أنّها لمتأتلف بنفسها كما نعلم
أنّ يد الكاتب لم تتحرّك بنفسها ، ولكن لمّا لم يبق في الوجود مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلّا وهو شاهد ومعرّف له عَظُمَ ( « 3 » ) ظهوره ، فانبهرت العقول ، ودهشت عن إدراكه .
فإذن ما يقصر عن فهم عقولنا له سببان : أحدهما خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله ، والآخر ما يتناهى وضوحه . وهذا كما أنّ الخفّاش يبصر بالليل ولا يبصر بالنهار لا لخفاء النّهار واستتاره ولكن لشدّة ظهوره ، فإنّ بصر الخفّاش ضعيف يبهره نور الشّمس إذا أشرق ، فيكون قوّة ظهوره مع ضعف بصره سبباً لامتناع إبصاره ، فلا يرى شيئا إلّا إذا امتزج الظّلام بالضوء وضعف ظهوره .
فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهيّة في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشّمول ، حتى لا يشذّ عن ظهوره ذرّة من ملكوت السّماوات والأرض ، فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره . ولا يتعجّب ( « 4 » ) من اختفاء ذلك بسبب الظّهور ، فإنّ الأشياء
هامش
( 1 ) - في ق ، أ : أحسّنا .
( 2 ) - في م ، د ، أ : يحتاج .
( 3 ) - في ج ، م : ومعرّف عظم .
( 4 ) - في ق ، ج : تتعجّب .