تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعارف — صفحة 30

مساهمون:

ص٣٠
تستبان بأضدادها ، وما عمّ وجوده حتّى لا ضدّ له عسر إدراكه ، فلو اختلف الأشياء فدلّ بعضها دون بعض أُدرك التّفرقة على قرب ، ولمّا اشتركت في الدّلالة على نسق واحد أشكل الأمر . ومثاله نور الشّمس المشرق على الأرض ، فإنّا نعلم أنّه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشّمس ، فلو كانت الشّمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنّا نظنّ أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السّواد والبياض وغيرهما ، فإنّا لا نشاهد في الأسود إلّا السّواد وفي الأبيض إلّا البياض ، فأما الضّوء فلا ندركه وحده ، لكن لمّا غابت الشّمس وأظلمت المواضع أدركتَ تفرقةً بين الحالتين ، فعلمنا أنّ الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتّصفت بصفة فارقتها عند الغروب ، فعرفنا وجود النّور بعدمه ، وما كنّا نطّلع عليه لولا عدمه إلّا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهةً غير مختلفة في الظّلام والنّور . هذا مع أنّ النّور أظهر المحسوسات ، إذ به يدرك سائر المحسوسات ، فما هو ظاهر في نفسه وهو مظهر لغيره انظر كيف تصوّر استبهام أمره بسبب ظهوره لولا طريان ضدّه . فإذن الرّبّ تعالى هو أظهر الأمور ، وبه ظهرت الأشياء كلّها ، ولو كان له عدم أو غيبة أو تغيّر لانهدمت السّماوات والأرض ، وبطل الملك والملكوت ، ولأدركت التّفرقة بين الحالتين ، ولو كان بعض الأشياء موجوداً به وبعضها موجوداً بغيره لأدركت التّفرقة بين الشّيئين في الدّلالة ، ولكن دلالته عامّة في الأشياء على نسق واحد ، ووجوده دائم في الأحوال يستحيل خلافه ، فلا جرم أورث شدّة الظّهور خفاء ، فهذا هو السّبب في قصور الأفهام عن معرفة الله تعالى . وأنضمُ إليه : أنّ المدركات كلّها الّتي هي شاهدة على الله إنّما يدركها الإنسان في الصّبى عند فقد العقل قليلًا قليلًا وهو مستغرق الهمّ بشهواته ، وقد أنس بمدركاته
المعارف — صفحة 30 | الفيض الكاشاني