ومحسوساته وألفها فسقط وقعها عن قلبه بطول الأنس ، ولذلك إذا رأى على سبيل الفجأة حيواناً غريباً أو فعلًا من أفعال الله خارقاً للعادة عجيباً انطلق لسانه بالمعرفة طبعاً ، فقال : سبحان الله ، وهو يرى طول النّهار نفسه وأعضاءه وسائر الحيوانات المألوفة ، وكلّها شواهد قاطعة ، ولا يحسّ بشهادتها لطول الأنس بها .
ولو فرض أكمه بلغ عاقلًا ثمّ انقشعت غشاؤه ( « 1 » ) عن عينه فامتدّ بصره إلى السّماء والأرض والأشجار والنّبات والحيوان دفعةً واحدةً على سبيل الفجأة ، يخاف على عقله أن ينبهر ، لعظم تعجّبه من شهادة هذه العجائب على خالقها . وهذا وأمثاله من الأسباب مع الانهماك في الشّهوات هي الّتي سدّت على الخلق سبيل الاستضائة بأنوار المعرفة والسّباحة في بحارها الواسعة ، والجليّات إذا صارت مطلوبةً صارت معتاصةً ( « 2 » ) » . ( « 3 » )
فصل [ لا يعرف الله حقّ معرفته غيره ]
اعلم : أنّه لا يعرف الله حقّ معرفته إلّا الله سبحانه ، لأنّ الخلق كلّهم لميعرفوا إلّا احتياج هذا العالم المنظوم المحكم إلى صانع مدبّر حيّ عالم سميع بصير قادر ، وهذه المعرفة لها طرفان : أحدهما يتعلّق بالعالم ومعلومه احتياجه إلى مدبّر ، والآخر متعلّق بالله ومعلومه أسامي مشتقّة من صفات غير داخلة في حقيقة الذّات وماهيّته .
وقد ثبت أنّه إذا أشار المشير إلى شيء ، وقال : ما هو ؟ لم يكن ذكر الأسماء المشتقّة جواباً أصلًا ، فلو أشار إلى شخص حيوان ، فقال ما هو ؟ فقال : طويل أو أبيض أو
هامش
( 1 ) - في ق : غشاوة ، انقشعت غشاؤه : زال غطاؤه .
( 2 ) - اعتاص الأمر : اشتدّ وامتنع .
( 3 ) - إحياء علوم الدين : 14 / 85 - 87 .