فحياته وعلمه وقدرته للخياطة أجلى عندنا من سائر صفاته الظّاهرة والباطنة ، إذ صفاته الباطنة كشهوته وغضبه وخُلقه وصحّته ومرضه وكلّ ذلك لا نعرفه ، وصفاته الظّاهرة لا نعرف بعضها وبعضها نشكّ فيه ، كمقدار طوله واختلاف لون بشرته وغير ذلك من صفاته ، أمّا حياته وقدرته وإرادته وعلمه وكونه حيواناً فإنّه جليّ عندنا من غير أن يتعلّق حسّ ( « 1 » ) البصر بحياته وقدرته وإرادته ، فإنّ هذه الصّفات لا تحسّ ( « 2 » ) بشيء من الحواسّ الخمس ؛ ثمّ لا يمكن أن نعرف حياته وقدرته وإرادته إلّا بخياطته وحركته .
فلو نظرنا إلى كلّ ما في العالم سواه لم نعرف به صفاته ، فما عليه إلّا دليل واحد وهو مع ذلك جليّ واضح .
ووجود الله وقدرته وعلمه وسائر صفاته يشهد له بالضرورة كلّ ما نشاهده وندركه بالحواسّ الظّاهرة والباطنة من حجر ومدر ونبات وشجر وحيوان وسماء وأرض وكوكب وبرّ وبحر ونار وهواء وجوهر وعرض ؛ بل أوّل شاهد عليه أنفسنا وأجسامنا وأصنافنا وتقلّب أحوالنا وتغيّر قلوبنا وجميع أطوارنا في حركاتنا وسكناتنا .
وأظهر الأشياء في علمنا أنفسنا ، ثمّ محسوساتنا بالحواسّ الخمس ، ثمّ مدركاتنا بالبصيرة والعقل ؛ وكلّ واحد من هذه المدركات له مدرك واحد وشاهد واحد ودليل واحد ، وجميع ما في العالم شواهد ناطقة وأدلّة شاهدة بوجود خالقها ومدبّرها ومصرّفها ومحرّكها ، ودالّة على علمه وقدرته ولطفه وحكمته . والموجودات المدركة لا حصر لها ، فإن كانت حياة الكاتب ظاهرة عندنا وليس يشهد له إلّا شاهد واحد وهو ما
هامش
( 1 ) - في د ، ج : حُسن .
( 2 ) - في د : لا تحسن .