وبإسناده عن ابن عمر قال : « قَالَ رَسُولُ اللهِ ( ص ) : لَا تَضْرِبُوا أَطْفَالَكُمْ عَلَى بُكَائِهِمْ ، فَإنَّ بُكَاءَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الصّلَاةُ عَلَى النّبِيِّ ( ص ) وَآلِهِ ( ع ) ، وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ الدّعَاءُ لِوَالِدَيْهِ » ؛ ( « 1 » ) وفي الكافي ما يقرب منه . ( « 2 » )
ولعلّ السّرّ في ذلك : أنّ الطّفل أربعة أشهر لا يعرف سوى الله ( عز وعجل ) الّذي فطر على معرفته وتوجده ، فبكاؤه توسّل إليه والتجاء به سبحانه خاصّةً دون غيره ؛ فهو شهادة له بالتوحيد . وأربعة أخرى يعرف أمّه من حيث أنّها وسيلة إلى اغتذائه فقط لا من حيث أنّها أمّه ، ولهذا يأخذ اللبن من غيرها أيضاً في هذه المدّة غالباً ، فلا يعرف فيها بعد الله إلّا من هو وسيلة بين الله وبينه في ارتزاقه الّذي هو مكلّف به تكليفاً طبيعيّاً من حيث أنّها وسيلة لا غير ؛ وهذا معنى الرّسالة ، فبكاؤه في هذه المدّةبالحقيقة شهادة بالرسالة . وأربعة أخرى يعرف أبويه وكونه محتاجاً إليهما في الرّزق ، فبكاؤه توسّل إليهما والتجاء بهما ، فبكاؤه فيها دعاء لهما بالسلامة والبقاء
في الحقيقة .
وقد ظهر من هذه الكلمات أنّ « كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ » ، ( « 3 » ) كما ورد في الحديث النّبويّ ( ص ) ؛ ولهذا جعلت النّاس معذورين في تركهم اكتساب المعرفة بالله ( عز وعجل ) متروكين على ما فطروا عليه ، مرضيّاً عنهم بمجرّد الإقرار بالقول ، ولم يكلّفوا الاستدلالات العلميّة في ذلك .
قال نبيّنا ( ص ) : « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ » . ( « 4 » )
هامش
( 1 ) - التوحيد : 331 ، باب 53 ، ح 10 ؛ وراجع بحار الأنوار : 381 ، باب 41 ، ح 100 .
( 2 ) - الكافي : 6 / 52 - 53 ، كتاب العقيقة ، باب النوادر ، ح 5 .
( 3 ) - صحيح البخاري : 2 / 104 ؛ سنن أبي داود : 2 / 417 ؛ كنز العمال : 1 / 261 ، ح 1307 ؛ وراجع : عدّة الداعي : 311 ؛ عوالي اللئالي : 1 / 35 ، فصل 4 ، ح 18 .
( 4 ) - تفسير القمي : 1 / 172 ؛ عيون أخبار الرضا : 1 / 70 ، باب 30 ، ح 280 ؛ بحار الأنوار : 113 : 37 ، باب 52 ، ح 6 .