اللهِ تعالى مَا مَدُّوا أَعْيُنَهُمْ إِلَى مَا مَتَّعَ اللهُ بِهِ الْأَعْدَاءَ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا وَنَعِيمِهَا ، وَكَانَتْ دُنْيَاهُمْ أَقَلَّ عِنْدَهُمْ مِمَّا يَطَئُونَهُ بِأَرْجُلِهِمْ ، وَلَنُعِّمُوا بِمَعْرِفَةِ اللهِ تعالى ، وَتَلَذَّذُوا بِهَا تَلَذُّذَ مَنْ لَمْ يَزَلْ فِي رَوْضَاتِ الْجِنَانِ مَعَ أَوْلِيَاءِ اللهِ ، إِنَّ مَعْرِفَةَ اللهِ تعالى آنِسٌ مِنْ كُلِّ وَحْشَةٍ وَصَاحِبٌ مِنْ كُلِّ وَحْدَةٍ وَنُورٌ مِنْ كُلِّ ظُلْمَةٍ وَقُوَّةٌ مِنْ كُلِّ ضَعْفٍ وَشِفَاءٌ مِنْ كُلِّ سُقْمٍ .
ثُمَّ قَالَ ( ع ) : وَقَدْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَوْمٌ يُقْتَلُونَ وَيُحْرَقُونَ وَيُنْشَرُونَ بِالْمَنَاشِيرِ وَتَضِيقُ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِرُحْبِهَا ، فَمَا يَرُدُّهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تِرَةٍ وَتَرُوا ( « 1 » ) مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ وَلَا أَذًى بَلْ مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ ، «
إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ
» ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ دَرَجَاتِهِمْ ، وَاصْبِرُوا عَلَى نَوَائِبِ دَهْرِكُمْ تُدْرِكُوا سَعْيَهُمْ » . ( « 2 » )
وقال بعض العلماء : لَو علم الملوك ما نحن فيه من لذّة العلم لحاربونا بالسيوف ، «
وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا
» ؛ ( « 3 » ) لأنّ المعرفة في هذه الدّنيا بذر المشاهدة في الآخرة ، واللذّة الكاملة متوقّفة على المشاهدة ؛ لأنّ الوجود لذيذ وكماله ألذّ ، فالمعارف الّتي هي مقتضى طباع القوّة العاقلة من العلم بالله وملائكته وكتبه ورسله إذا كانت مشاهدةً للنفس لكانت لها لذّةلا يدرك الوصف كنهها .
ولهذا ورد في الحديث : « لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشَ الْآخِرَةِ » . ( « 4 » )
والموجودات متفاوتة في العالم العقليّ ، فالسّعادات متفاضلة بحسبها ، وإليه أشار مولانا أمير المؤمنين ( ع ) بقوله : « دَرَجَاتٌ مُتَفَاضِلَاتٌ وَمَنَازِلُ مُتَفَاوِتَاتٌ ، لَا يَنْقَطِعُ
هامش
( 1 ) - وَتَرَ : أصابه بظلم أو مكروهٍ .
( 2 ) - الكافي : 8 / 247 - 248 ، ح 347 ؛ والآية في البروج : 8 .
( 3 ) - الإسراء : 21 .
( 4 ) - مناقب آل أبي طالب : 1 / 161 ؛ بحار الأنوار : 19 / 124 ، باب 7 ، ح 8 .