تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعارف — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
الحسّيّةأمر مستحيل ، «
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ
» ، ( « 1 » ) فلو لم تكن لها نشأة أخرى تنتقل هي إليها لكان ما ارتكز في طبائعها وأودع في جبلّتها من محبّة البقاء الأبديّ والحياة السّرمديّةباطلًا ضائعاً تعالى الله عن ذلك . وأمّا كراهيّة النّفس لموت الجسد الّذي هو عائق عن حياتها السّرمديّةوبقائها الأبديّ مع ما ارتكز فيها من التّوجّه الجبلّيّ إلى الدّار الآخرة والحركة الذّاتية إليها ؛ فقد قيل : إنّ السّبب فيها أمران : فاعليّ وغائيّ . أمّا الفاعلي ، فهو أنّ النّفس لها نشآت ثلاث : حسّيّة وخياليّة وعقليّة ، فأوّل نشأتها نشأة الحسّ ، ولها الغلبة على الإنسان ما دامت هذه الحياة الحسّيّة باقية له ، فيجري أحكامها على النّفس في هذه الدّار ، ويؤثّر فيها من هذه الجهة كلّ ما يؤثّر في الجوهر الحاسّ وفي الحيوان الحسّي من الملايمات والمنافرات الحسّيّة ، ولهذا يتضرّر ويتألّم بتفرّق الاتّصال والاحتراق بالنار وسائر المنافيات ( « 2 » ) الحسّيّة ، لا من حيث كونها جوهرذ ناطق‌ذ وذات‌ذ عقليّة ذات نشأة روحانيّة وعالم ملكوتيّ ، بل من حيث كونها جوهرذ حسّاس‌ذ ذا نشأة حسّية وعالم دنياويّ ؛ فتوحّشَها الموت البدنيّ ، وكراهتها للعدم الحسّي إنّما يكون لها بحصّة من هذه النّشأة الحسّيّة . وأمّا ما يقتضيه العقل التّامّ وقوّة الباطن وغلبة سلطان الملكوت والتّشوّق إلى الله تعالى ومجاورة مقرّبيه ، فهو محبّة الموت الطّبيعي والوحشة عن حياة هذه النّشأة ومشاهدة حيوانات الدّنيا ؛ فإنّ وحشة أهل الباطن عن مجاورة أحياء هذا العالم أشدّ من وحشة الإنسان الحيّ عن مجاورة الأموات بكثير .
هامش
( 1 ) - النساء : . ( 2 ) - في د : المنافرات .