تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المعارف — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
أشير بقوله ( عز وعجل ) : «
ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ
» ؛ ( « 1 » ) فهذا الخلق الآخر إنّما هو من النّشأة الأخرى الباقية ، وهي غير هذه النّشأة الدّنياويّة الفانيّة ، وهو من روح الله المنفوخ في هذا القالب بعد استعداده له ، وهو الغرض الأصليّ من هذه الخلقة والتّركيب ؛ وأمّا المراتب السّابقة عليه فإنّما خلقت لتكون محلّاً له وعش‌ّذ وغلاف‌ذ حافظذ ، وهو الإنسان بالحقيقة ، وإنّما البدن آلة لتحصيل كمالاته خارج عن ذاته ، فإذا حصل له الكمالات الّتي كان في استعداده أن تحصّل له وصار كاملًا استغنى عن البدن لا محالة وانزجر عنه ، لتوجّهه دائم‌ذ نحو كمال أخرويّ على التّدريج ورجوعه الطّبيعي إلى عالم آخر وانتقاله قليلًا قليلًا إلى نشأة ثانية ، حتّى إذا بلغ غايته من التّجوهر ومبلغه من الاستقلال في الذّات انقطع تعلّقه عن البدن بالكلّيّة ورجع إلى عالم أعلى ومحلّ أرفع . ولهذا يرى الإنسان كلّما كمل عقله وازداد في عمره وحصل له تجاربه الّتي كانت في قوّته ، ازداد في بدنه وهن‌ذ وفي قواه كلالًا وضعف‌ذ لاستغنائه عنه شيئذ فشيئذ ؛ فكلّما ازداد الرّوح حياةً بتحصيل الكمال ازداد البدنُ موتاً ، إلى أن يَحيى هذا كملًا ويموت هذا كملًا ( « 2 » ) ، سواء كانت كمالاته مُسعِدةٌ له أو مُشقِيةٌ . فإنّه كما تكون الحركة الذّاتيّة في السّعادة ويكون التّكامل فيها كذلك تكون في الشّقاوة والازدياد فيها ، على حسب ما غُرِزَ في ( « 3 » ) جبلّة الرّوح ؛ فللإنسان حركة طبيعيّة ذاتيّة من لدن نشوه ووجوده ومبدئه إلى آخر بعثه ولقاء بارئه ومعاده ، وإليها الإشارة بقوله ( عز وعجل ) : «
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
» . ( « 4 » )
هامش
( 1 ) - المؤمنون : 14 . ( 2 ) - يحيى الرّوح تامّاً كاملًا ويموت البدن تامّاً كاملًا . ( 3 ) - غُرِز فيه : أُدخِل فيه . ( 4 ) - الانشقاق : 6 .
المعارف — صفحة 264 | الفيض الكاشاني