فصل [ أشرف وجوه إعجاز القرآن ]
أشرف وجوه إعجاز القرآن وأقويها عند أولى البصائر هو اشتماله على العلوم والأسرار ، وانطواؤه على المعارف والأنوار ، وتضمّنه جوامع الكلم ولوامع الحكم الّذي يعجز العقول عن إدراكها ؛ بل كلّما تقلقل ( « 1 » ) الإنسان في رياض فنونها وتعمّق في بحار عيونها انفتحت له مسالك موصلة إلى مُقَفّلاتها ، واتّضحت له مدارك تبيّن حَمْل مشكلاتها ، وانكشفت له معالم يدرك بها وجوه صوابها ، ولاحت له لوائح تذلّل له شدائد صعابها .
فيستخرج بغوّاص عقله جواهر بحورها ، ويقدح بزناد فكره فيقتبس من أضواء نورها ، ويرى العلماء العارفين كلّ وقت في ازدياد لا ينتهون إلى غاية في بلوغ المراد ، «
إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ
» ، ( « 2 » ) وقد ملأت علوم الأقدميّين الدّفاتر ؛ وصدق من قال : « كم ترك الأوّل للآخر » ، ولذلك قال الله ( عز وعجل )
: « وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
» . ( « 3 » )
وعلى هذا فهو من المعجزات المتكرّرة الّتي تحدث بالتأمّل يومذ فيومذ وشيئذ بعد شيء ، ومن هذا القبيل الأحاديث النّبويّة وكلماته الجامعة ( ص ) .
فإنّ العالم الذَكيّ ( « 4 » ) ذا اللبّ الصّالح والذكاء القادح إذا تأمّلها وبالغ في النّظر فيها بصفاء القريحة ملاحظذ لأنواع العلوم الدّقيقة ومستحضرذ لحكم أهل الحقيقة ، ظهر له مكنون أسرارها جمل متكاثرة ، وكشف له من خفايا كنوزها عن تحف
هامش
( 1 ) - تقلّبَ .
( 2 ) - ص : 54 .
( 3 ) - سبأ : 7 .
( 4 ) - سريع الفطنة والفهم .