إلّا ما هو متفكّر فيه ، وهذا يشبه كون المرآة معدولًا بها عن جهة الصّورة ؛ أو لحجاب بينه وبين المطلوب من اعتقاد سبق إليه منذ الصّبا على سبيل التّقليد والقبول بحسن الظّنّ ، فإنّ ذلك يحول بينه وبين حقائق الحقّ ويمنع أن ينكشف في قلبه خلاف ما تلقفه من ظاهر التّقليد ، وهذا يشبه الحجاب المرسل بين المرآة وبين الصّورة المطلوب رؤيتها ؛ أو لجهل بالجهة الّتي يقع فيها العثور على المطلوب ، فإنّ طالب العلم ليس يمكنه أن يحصل العلم المطلوب إلّا بالتذكّر للعلوم الّتي تناسب مطلوبه حتّى إذا ذكرها ورتّبها في نفسه ترتيبذ مخصوصذ حصل له المطلوب ، فإذا لم تكن عنده العلوم المناسبة لذلك لم يحصل له المطلوب ، وهذا يشبه الجهل بالجهة الّتي فيها الصّورة المطلوبة ؛ فهذه هي الأسباب المانعة من إدراك الحقائق .
ثمّ إنّ العلوم الّتي ليست ضروريّةإنّما تحصل في القلب تارةً بالاكتساب بطريق الاستدلال والتّعلّم ، ويسمّى اعتبارذ واستبصارذ ، ويختصّ به العلماء والحكماء ؛ وتارةً بهجومه ( « 1 » ) على القلب كأنّه ألقى فيه من حيث لا يدري ، وهذا قد يكون مع عدم الاطّلاع على السّبب الّذي منه استفيد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقي في القلب ، ويسمّى « إلهامذ » و « نفثذ » في الرّوع إن كان نكتذ في القلب ، و « حديث ملك » إن كان نَقْرذ ( « 2 » ) في السّمع ، ويختصّ بهما الأولياء والأئمّة ؛ وقد يكون مع الاطّلاع على ذلك ، ويسمّى « وحيذ » ، ويختصّ به الأنبياء والرّسل .
وكما أنّ الحجاب بين المرآة والصّورة يزال تارةً بتعمّل اليد المتصرّفة وتارةً بهبوب ريح تحرّكه ، فكذلك استفادة العلوم بالقلم الإلهيّ للإنسان قد تكون بقوّةفكرته المتصرّفة في تجريد الصّور عن الغواشي والانتقال من بعضها إلى بعض ؛ وقد تهبّ رياح الألطاف الإلهيّة فتكشف الحُجُب والغواشي عن عين بصيرته ، فيتجلّى فيها بعض ما هو مثبت في اللوح الأعلى ، فيكون تارةً عند
هامش
( 1 ) - في د ج : هجومه .
( 2 ) - صوت يسمع من قرع الإبهام على الوسطى .