فاضطرّوا في معاملاتهم ومناكحاتهم وجناياتهم إلى قانون مرجوع إليه بين كافّتهم
يحكمون به بالعدل وإلّا لتهارشوا وتقاتلوا ، بل شغلهم ذلك عن السّلوك للطريق ، بل أفضى بهم إلى الهلاك وانقطع النّسل واختلّ النّظام ، لما جبلّ عليه كلّ أحد من أنّه يشتهي لما يحتاج إليه ويغضب على من يزاحمه فيه ؛ وذلك القانون هو الشّرع .
ولابدّ من شارع يعيّن لهم ذلك القانون والمنهج لينتظم به معيشتهم في الدّنيا ، ويسنّ لهم طريقذ يصلون به إلى الله ( عز وعجل ) ، بأن يفرض عليهم ما يذكرهم أمر الآخرة والرّحيل إلى ربّهم ، وينذرهم يوم ينادون فيه من مكان قريب ، وتنشقّ الأرض عنهم سراعذ ويهديهم إلى صراط مستقيم ، لئلّا ينسو ذكر ربّهم ويذهلوا بدنياهم عن عقباهم الّتي هي الغاية القصوى والمقصد الأقصى .
وصل [ الاضطرار إلى الرّسل بوجه آخر ]
وبوجه آخر : لمّا كان الإنسان في أوّل أمره ومبدأ نشوئه خاليذ عن كماله الّذي خلق له ، قاصرذ عن الغاية الّتي نُدبَ ( « 1 » ) إليها ، كما قال تعالى : «
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً
» ، ( « 2 » ) قابلًا إيّاه بفطرته الّتي فطر عليها ؛ يمكن له الوصول إليه بما أوتي من أسبابه وهيّئ له من شرائطه ، كما قال : «
وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ *
» ، وقال : «
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
» . ( « 3 » )
لكنّه ممنوّ ( « 4 » ) بمقتضيات نشأته الّتي جبلّ عليها لو خلي وشأنه ، لنشء كلّه على ما
هامش
( 1 ) - دُعيَ .
( 2 ) - النحل : 78 .
( 3 ) - السجدة : 9 ؛ آل عمران : 103 .
( 4 ) - مُبتلى .