المواحاة والسفارة ، وباب دار علم الايحاء والنّبوّة ، خازن وحى التنزيل وعيبة سرّ التأويل ، عليه السّلام ، إذ يقول : « عظم الخالق عندك يصغّر المخلوق في عينك » وكن متابّها بالنور السرمد عن الظلّ الزائل ، وبالوجود الحقّ عن الوهم الباطل .
واعلم انّ الحياة الحسّيّة المزاجيّة في هذا العالم قشر الحياة ، وان هي الّا الحياة الظاهريّة ، والحياة العقليّة الالهيّة في عالم القدس محّ البهجة الروحانيّة ومخّ السعادة السرمديّة ، ولبّ الحياة الحقيقيّة .
فكما الأجداث قبور الأجساد ، فكذلك الأجساد اجداث النفوس . ولعلّ القبور في قوله عزّ من قائل في التنزيل الحكيم :
« وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ »
، هي الأبدان ، فالسفهاء الطغام الجاهلون حياتهم مطلقا ممات ، وأبدانهم لنفوسهم قبور ، وأجسادهم لأرواحهم اجداث في النشأتين البائدة والخالدة . وفي قوله في قدسىّ الحديث :
« انا عند المنكسرة قلوبهم والمندرسة قبورهم » القلوب هي النفوس المجرّدة المتالّهة ، وانكسارها عبارة عن موتها الارادىّ ، ورفضها الأجساد بالإرادة قبل رفضها بالطبع الّذي هو الموت الطبيعىّ ، والقبور هي الأبدان الهيولانيّة الرثّة المنهوكة في نسك الطاعة ومنسك العبادة ، وذلك هو اندراسها .
وميض
للّه درّ صاحب التلويحات ، حيث قال : انظر كيف نسبة بدنك إلى عالم العناصر ، وكيف نسبة العنصريات إلى جرم الكلّ ، وكيف نسبة جرم الكلّ إلى نفس الكلّ ، وكيف نسبة نفس الكلّ إلى العقول ، وكيف نسبتها إلى العقل المسمّى « بالعنصر الاعلى » ، وهو العرش العظيم المجيد ، ولا نسبة له إلى جناب الكبرياء ، فانطوت العناصر في الاجرام السماويّة ، وهي في قهر النفوس وهي في قهر العقول وهي في قهر المعلول الاوّل .
« وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ ،
وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ،
وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ »
. تلاشى الكلّ في جبروته .
سبحانك اللهمّ ، وبحمدك اشهد انّ كلّ معبود من دون عرشك إلى قرار الأرضين