واستحلوا رفض الجسد ، فانّ حلاوته في رفضه . فقد انصرح لاولى النظر النافذ والبصر الواسع ، انّ حقيقة الموت ، ان هي الّا الولادة الثانية في دار الحياة وموطن البهجة ، والانتقال الاوّل من إقليم الزمان إلى عالم الدهر ، والصعود العقلىّ من ارض التدريج والتغيّر إلى سماء القرار والثبات ، والخروج الحقّ من قرية الهيولى الظالم أهلها إلى مدينة العقول القائم قسطاسها بالقسط . الّا فاستحقروا عالم الحسّ ، واستبخسوا مدركات الحواسّ ، واستقذروا لذّات الاجوفين البهيميين واستخسّوا مستلذّات القوّتين الحيوانيّتين ، واغتسلوا على شاطئ العقل الصراح ، واغتمسوا في فرات المعرفة الصمادح . ثمّ اغترفوا ، بأيدي قرائحكم القدسيّة اكفّا ، من عين الحياة العقليّة الخرّارة ، فاشربوها ودوموا ، بدوام اللّه في معدن البهاء ، وابقوا ببقاء اللّه في عالم الرحمة .
وميض
إذا تحقّقت انّ اللّذّات العقليّة والمعارف الربوبيّة ، هي أنضاض الحياة الحقيقيّة في هذه النشأة النافدة البائدة ، وانّ من استطاع خرق العالم الحسّىّ ، صار سيّاحا في العالم العقلىّ ، فاحكم ، اذن ، انّ الموت الطبيعىّ يشبه ان يكون ولادة ثانية للحياة الحقّة والسعادة الباقية في تلك النشأة الآخرة ، إذا كانت النفس المجرّدة طاهرة الذات من كلّ شوب ودنس ، نقيّة الجوهر من كلّ سوء ودرن . ولذلك يقال :
لدوا للموت ، وموتوا للحياة ، ولن يلج ملكوت السماوات من لم يولد مرّتين .
وكذلك الموت الارادىّ يشبه ان يكون ولادة أولى في هذه النشأة البائرة للحياة العقليّة القارّة الخالدة وسببا لان لا يتوجّع بلسع المنيّة ولا يشعر بداهية الموت الطبيعىّ ، إذا حان حينه وجاء ايّانه ، عند اجله الموقوت وامده المكتوب ، لانّه لا يكون حينئذ مضادّا لحالة جوهر النفس . ومن المستبين انّ جوهر المحسوس ، ما لم يكن مضادّ الجوهر الحاسّ في الكيفيّة ، لم يكن يحسّ به بتّة . فمن هناك قال امام الحكماء افلاطن الالهىّ : مت بالإرادة تحيّ بالطبيعة .
وإذا تقرّر ذلك ، بان أنّ امام المتشكّكين ، كانّه كان ذاهلا عن استلذاذ اللّذات