العلم الانفعالىّ ، كما قد حصّله في شرح رسالة مسئلة العلم . فاذن ، الجواب الحقّ هو انّ علمه تعالى ، وان كان علّة مقتضية لوجوب الفعل ، لكنّه انّما يقتضى وجوب فعل العبد المسبوق بقدرة العبد واختياره ، لكونهما من جملة علل الفعل وأسبابه ، والوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يحقّقه . فكما ذاته الحقّة سبحانه علّة فاعلة لوجود كلّ موجود ووجوبه ، وليس ذلك يبطل توسيط العلل والشرائط وربط الأسباب بالمسبّبات ، فكذلك الامر في علمه التامّ بكلّ شيء الّذي هو بعينه ذاته الفعّالة الواجبة .
قال في المحصّل : مسئلة الإرادات تنتهى إلى إرادة ضروريّة ، دفعا للتسلسل ، وذلك موجب الاعتراف باسناد الكلّ إلى قضاء اللّه تعالى وقدره . فقال الناقد البارع : أقول :
قيل استناد الكلّ إلى قضاء اللّه ، امّا ان يكون بلا توسّط في ايجاد الشيء ، أو يكون بتوسّط ، والاوّل لا يقتضيه انتهاء الإرادات إلى ارادته ، والثاني لا يناقض القول بالاختيار . فانّ الاختيار هو الايجاد بتوسّط القدرة والإرادة ، سواء كانت تلك القدرة والإرادة من فعل اللّه بلا توسّط أو بتوسّط شيء آخر . فاذن ، من قضاء اللّه تعالى وقدره وقوع بعض الأفعال ، تابعا لاختيار فاعله ، ولا يندفع هذا الّا بإقامة البرهان على انّه لا مؤثّر في الوجود الّا اللّه .
انتهى كلامه بعبارته .
والشريك في آخر الفنّ الثالث من طبيعيّات الشفاء ، بيّن ارتباط الكائنات الحادثة في عالم الكون والفساد ، حتّى الإرادات والاختيارات ، بالحركات المستديرة السماويّة ، ثمّ قال : فبالحري ان نختم هذا الفنّ بإشارة مختصرة إلى علل الكون والفساد ، ونقول انّ لكلّ كاين مادّة وصورة وعلّة فاعلة وغاية تخصّه ، يؤخذ ذلك بالاستقراء أو على سبيل الوضع . فامّا جملة الكون والفساد واتّصاله ، فعليّة الفاعليّة المشتركة الّتي هي أقرب ، هي الحركات السماويّة ، والّتي هي اسبق . فالمحرّك لها والعلّة المادّيّة المشتركة ، هي العنصر الاوّل ، والعلة الصوريّة المشتركة ، هي الصورة الّتي للمادّة قوّة على غيرها ، ممّا لا يجتمع معها ، والعلّة الغائيّة استبقاء الأمور الّتي لا تبقى باعدادها ، واستحفاظها بأنواعها .
فانّ المادّة العنصريّة ، لمّا كانت كما تلبس شيئا ، قد خلعت غيره ، وكان الشيء كما يكون
القبسات — صفحة 472
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٤٧٢