وميض
قال سبحانه :
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
. ليس سبيله نفى التعليل وسلب الغاية عن فعله مطلقا ، كما تخلقه أوهام الأشاعرة من المتكلّفين لما لا يعنيهم ، وهؤلاء احطّ درجة من استحقاق المخاطبة . بل مغزاه نفى مطلب « لم ؟ » في افعاله بحسب الغاية الأخيرة ، لا بحسب الغايات القربية والمتوسطة ، فانّ غاية الغايات في فعله مطلقا ، ان هي الّا نفس ذاته الحقّة الاحديّة من كلّ جهة . ألم يقرع سمعك ؟ - ان بين الغايات المترتّبة فرقانا مستبينا ، بحسب القرب والبعد ، كما قالوا في العلوم الآليّة والعلم الغير الآلى المطلوب لذاته بالقصد الاوّل . فعلم المنطق غايته ان يستخدمه سيد العلوم ، وهو علم ما فوق الطبيعة ، وعلم ما فوق الطبيعة غايته نفس ذاته ولا غاية له سوى نفسه .
واستدارة شكل الدماغ مثلا ، غايتها ان يكون شكله أوسع ، وغاية أوسعيّة شكله انتشار الأبخرة وعدم تراكمها ، وغاية عدم تراكم الأبخرة جودة الادراك ، وغاية جودة الادراك استواء السلوك في اقتناص المعارف الربوبيّة . فهذه الغاية الأخيرة هي غاية الغايات ، وهي مطلوبة لذاتها . ومثل ذلك في كون الطواحن من الأضراس عريضة مثلا . فكذلك فاعلمن ، انّه لا لمّيّة لفعله سبحانه ، بالقياس إلى النظام الجملىّ الّذي هو الانسان الكبير ، إذ غايته وفاعله هو نفس ذات البارئ الواحد الاحد الحقّ سبحانه ، وليس يتصوّر هناك غرض وغاية سواه أصلا . فامّا كلّ جزء من اجزاء نظام الوجود ، فغايته القريبة كمال نظام الكلّ وتماميّته على النصاب الاتمّ ، وغاية غاياته المترتّبة نفس ذات الفعّال الحقّ الذي اليه يعود كلّ غرض واليه تنتهى كلّ غاية . فاذن ، لا لمّيّة لشيء من افعاله سبحانه باخرة معا ، إذ لا غرض ولا غاية بالآخرة ، الّا وجوده الواجب الاحدىّ الحقّ الّذي هو غرض الاغراض وغاية الغايات على الاطلاق ، وان كانت لأفاعيله سبحانه اغراض وغايات ولمّيّات مترتّبة قريبة ومتوسّطة منتهية كلّها إلى من هو غرض الاغراض وغاية الغايات بنفس ذاته الواجبة الاحد الحقّ من كلّ جهة . فليستيقن .