قد أوجدت في الطبيعة على النحو من الايجاد الّذي علمته وتحقّقته ، فتامّل حال منافع الأعضاء في الحيوانات والنبات ، وانّ كلّ واحد كيف خلق . وليس هناك البتّة سبب طبيعىّ ، بل مبدأه لا محالة من العناية على الوجه الّذي علمت . فكذلك فصدّق بوجود هذه المعاني ، فانّها متعلّقة بالعناية على الوجه الّذي علمت العناية تعلّق تلك .
ثمّ قال : أو علم انّ السبب في الدعاء منّا أيضا ، وفي الصدقة وغير ذلك ، وكذلك حدوث الظلم والاثم ، انّما يكون من هناك ، فانّ مبادى جميع هذه الأمور تنتهى إلى الطبيعة والإرادة والاتّفاق . والطبيعة مبدأها من هناك . والإرادات الّتي لنا ، كائنة بعد ما لم تكن . وكلّ كائن بعد ما لم يكن ، فله علّة . وكل إرادة لنا ، فلها علّة ، تلك الإرادة ليست إرادة متسلسلة في ذلك إلى غير النهاية ، بل أمور تعرض من خارج ، ارضيّة وسماويّة . والارضيّة تنتهى إلى السماويّة . واجتماع ذلك كلّه يوجب وجود الإرادة . وامّا الاتّفاق ، فهو حادث من مصادمات هذه ، فإذا حلّلت الأمور كلّها ، استندت إلى مبادى ايجابها منزل من عند اللّه . والقضاء من اللّه سبحانه وتعالى ، هو الوضع الاوّل البسيط ، والتقدير هو ما يتوجّه اليه القضاء على التدريج ، كانّه موجب اجتماعات من الأمور البسيطة الّتي تنسب ، من حيث هي بسيطة ، إلى القضاء والامر الالهىّ الاوّل . انتهى بعبارته .
وميض
فامّا امر الزيارات واتيان قبور الأصفياء ومراقد الصّالحين ، والاستمداد من أرواحهم الامريّة ونفوسهم النوريّة ، والاستضاءة بالاشراقات العقليّة في مشاهدهم القدسيّة ، فمنفرع عن أصل آخر . وهو انّ النفس الناطقة ، معدن سنخ جوهرها مدين عالم العقل ، وموطن جوهر ذاتها ارض قدس الملكوت ، وسلطانها على البدن الهيولاني بالعلاقة التدبيريّة من سبيلين : أحدهما من حيث المادّة الشخصيّة المنحفظة البقاء بشخصيّتها ، ما دامت السماوات والأرض ، والاخر من حيث شخص الصورة الجوهريّة البدنيّة الكائنة الفاسدة .
فبالموت تبطل العلاقة التدبيريّة ، بالقياس إلى بدنها الشخصىّ من حيث الصورة . فامّا