في الاختيار والقدرة ، وذلك لانّها ليست تطلب خيرا مظنونا ، بل خيرا حقيقيّا . ولا ينازع هذا الطلب فيها طلبا آخر ، كما فينا ، إذ ليس فيها قوّتان ، ويكون من وجه التنازع من قبلهما . فعلوّ الاوّل تعالى ومجده ، انّه بحيث تصدر عنه هذه الأفعال ، ومجد هذه العقول في انّها تتوخّى أن تكون افعالها مثل فعل الاوّل .
وقد قيل انّ الانسان مضطرّ في صورة مختار . ومعناه انّ المختار منّا لا يخلو في اختياره من داع يدعوه إلى فعل ذلك . فإن كان الداعي الّذي هو الغاية موافقا لأقوى القوّة فينا ، قيل « فلان مختار فيما يفعله » . وربّما يكون ذلك الداعي من جهة انسان آخر وفي حالة أخرى لا يوافقنا فيها ذلك الداعي ، فيكون صدور الفعل منّا بحسبه على سبيل الاكراه .
فإذا كان ذلك الداعي ذاتيّا ، كان مختارا بحسبه . فالمختار بالحقيقة هو الّذي لا يدعوه داع إلى فعل ما يفعله . ونحن إذا قلنا : « فلان يفعل كذا مختارا » كان معناه انّ داعيه ذاته .
وإذا قلنا انّه « يفعله مكرها » كان معناه انّ داعيه غيره . والداعي إذا لم يكن غيره ، كان الفاعل فيما يفعله مختارا ، ويكون عنده انّ ذلك الداعي غاية أو خير ، امّا بحسب الوهم أو بحسب العقل . وإذا كان الداعي غيره ، كان فعله ، وان كان فيه صلاح للفاعل ، صادرا عنه على سبيل الكره . فالاوّل تعالى لمّا كان هو الخير ، كان صدور الأشياء عنه صدور ما لو صدر عن غيره وكان طلبه فيه الخير ، فلمّا لم تختلف فيه الغاية والفاعل ، فكان صدور هذه الأشياء عنه لا لغاية خارجة عن ذاته ، كان بالحقيقة هو المختار . وانّما لا يصحّ فينا الاختيار الحقيقىّ ، لانّ فينا قوّتين ، قوّة تطلب شيئا خلاف ما نجبر عليه ، وقوّة تحاول ضدّ ذلك . والاوّل تعالى ليس فيه هذا ، لانّ صدور الأشياء عن ذاته هو بحسب خيريّته ، وتلك الأشياء غير منافية لذاته ، فلا يكون هناك تنازع في الإرادة .
تعليق : يجب ان يكون في الوجود وجود بالذات ، وفي الاختيار اختيار بالذات ، وفي الإرادة إرادة بالذات ، وفي القدرة قدرة بالذات ، حتّى يصحّ أن تكون هذه الأشياء لا بالذات في شئ . ومعناه انّه يجب ان يكون واجب الوجود موجودا بالذات ، ومختارا بالذات ، وقادرا بالذات ، ومريدا بالذات ، حتّى تصحّ هذه الأشياء لا بالذّات في غيره .
القبسات — صفحة 446
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٤٤٦