الالهيّة في هذا الباب . وليس فيما ورد من التنزيل حكم بانّ الهالكين أكثر من الناجين ، بل يمكن ان يوجد فيه ما يناقض هذا الحكم . انتهى كلامه .
ونحن نقول : ما أورده على الوجه الاوّل صحيح . وظنّ امام المتشكّكين اتّفاق الحكماء والأشاعرة في القول بالقدر على سبيل واحد ، وهم فاسد وزعم باطل . بل انّ سبيل الحكماء هناك ، هو مذهب أهل بيت رسول اللّه المعصومين ، صلّى اللّه وسلّم عليه وعليهم أجمعين ، انّ الانسان هو الفاعل المباشر لفعله بقدرته وارادته واختياره الحادثة المستندة إلى أسباب مترتّبة منتهيّة إلى قدرة اللّه وارادته واختياره سبحانه ، ولا جبر ولا تفويض ، ولكن امر بين امرين . وقد أوردنا محزّ القول الفصل فيه في كتاب الايقاظات .
فامّا ما أورده على الوجه الثاني ، فليس بمستقيم ، إذ لا امتراء في انّ النّاجين اقلّ عددا من الهالكين ، وانّ المزاج المستحقّ لكمال جوهر النفس والاستعداد المستجلب لتزكية قواها واستكمال ملكاتها واخلاقها ، اقلّىّ الحصول في التركيبات الاسطقسيّة .
ولسان التنزيل الحكيم والسنة أحاديث السانّين الشارعين . ناطقة بذلك . فالصحيح ان يقال : الهالكون وان كانوا أكثر عددا ، الّا انّ ذلك من لوازم الخيرات الكثيرة جدّا ، بالقياس إلى كمال النوع واشخاصه الناجين ، والأسباب المترتّبة المتأدّية إلى ذلك على سبيل الوجوب في نظام الوجود . فلو لم يدخل وجود الهالكين في القضاء والقدر ، لزم عدم دخول أسبابه المترتّبة المنتهية اليه في الوجود ، وفساد نظام الكلّ وحرمان النوع عن كماله الأقصى الممكن ، وعدم دخول النفوس المقدسة الانسانية في الوجود وانتفاء وجود الاشخاص الناجين رأسا ، إذ وجود الهالكين من لوازم هذا النظام الموجود . وامساك البارئ الفعّال عن ايجادهم ملزوم ذلك كلّه . فيكون الشرّ في عدم ايجادهم ، أكثر من الشرّ الحاصل بهلاكهم ، اكثريّة لا تحصى مراتبها . فاذن ، ثبت انّ ايجادهم المستلزم لعقابهم وهلاكهم في النشأة الآخرة ، شرّ طفيف قليل بالنسبة إلى خيرات عظيمة كثيرة مستلزمة ايّاه في نظام الوجود .
فليتثبت .
القبسات — صفحة 443
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٤٤٣