للعقاب ، وفي مبادى الافعال الاختياريّة الانسانيّة ، حسن واجب لنفعه لأكثر الاشخاص وفي أكثر الأوقات ، لانّهم بذلك يرتدعون ويكفّون عن ارتكاب الجرايم والآثام .
والتصديق ، اى الايفاء بذلك التخويف ، واحقاقه بتعذيب المجرم ، تأكيد للتخويف ومقتض لازدياد النفع ، فهو أيضا حسن واجب في سنّة الحكمة التامّة الربوبيّة والعناية الأولى الالهيّة . وأيضا ترتّب هذا النمط من العقاب على فعل المجرم من لوازم الافعال السيّئة ، فهو أيضا ضرورىّ في مذهب الطبيعة . فإذا عرض من أسباب القدر الّتي قدّرها اللّه تعالى ، ان عارض واحد من الاشخاص مقتضى التخويف والتصديق المعلوم بالبرهان وجوب وقوعهما في الحكمة الربوبيّة ، حقّ عليه العقاب بالسلاسل والاغلال في نار جهنّم ، من جهة إرادة الفعّال الحكيم المختار الرّحيم ، ومن جهة اقتضاء الطبيعة الجزئيّة جميعا .
فاذن احقاق الوعيد وتصديقه ، اى الايفاء به من العناية بالإرادة والاختيار ، واجب في الحكمة التامّة البالغة ، لأجل الغرض الكلّىّ ، وهو كفّ الخلق عن مباشرة أسباب العقاب الموجبة للفساد ، وان كان ذلك غير ملائم المجرم العاصي ، ولا واجبا أيضا من مختار رحيم ، لو لم يكن الملحوظ الّا هذا الجانب الجزئىّ ، ولم يكن في العقاب مصلحة عامّة كلّيّة .
وهذا الأسلوب سبيل سياقه سبيل السياق في قوله سبحانه :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ، يا أُولِي الْأَلْبابِ »
.
فالشيخ بيّن أخيرا انّ هذا التعذيب ، انّما هو شرّ بالقياس إلى المجرم المعذّب ، وهو خير بالقياس إلى اشخاص نوعه ، وبالقياس إلى كمال حال النوع « ولا يلتفت لفت الجزئىّ لأجل الكلّىّ » اى لا ينظر اليه . فهذا أيضا من جملة الخير الكثير الّذي يلزمه شرّ قليل . واستشهد بقطع العضو لصلاح حال البدن ، فانّ الحكم بوجوب ذلك ، وان كان مشتملا على شرّ ما ، مقبول عند الجمهور . وقد تبيّن من ذلك انّ ما ورد به التنزيل لم يكن مخالفا للأصول الحكميّة ، بل كان موافقا لميزان قواعد العقل وقانون ضوابط الحكمة .
فهذا تلخيص كلام الشارحين على أبلغ الوجوه في هذا الموضع .