تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
وكمذامّ الافعال السيئة ، من الظلم والزنا ومباديها من الملكات الرديّة والاخلاق الرّذلة ، وكالآلام والغموم وما يستجرّها . وإذا تامّلنا في ذلك كلّه ، وجدنا البرد مثلا في نفسه ، بما هو كيفيّة ما ، أو بالقياس إلى علّته الموجبة له والأسباب المتأدّية اليه ، ليس بشرّ ، بل هو كمال من كمالات نظام الوجود . وانّما شرّيّته بالقياس إلى الثمار ، لا فساده امر حبّها . فالشرّ بالذات ، هو فقدان الثمار كمالاتها اللّايقة بها . والبرد شرّ بالعرض ، لا فضائه إلى ما هو الشرّ . وكذلك السحاب . والظلم والزنا أيضا ليسا ، من حيث هما أمران منبعثان عن قوّتين هما الغضبيّة والشهويّة مثلا ، من الشرّ في شئ ، بل هما من تلك الحيثيّة كمالان لتينك القوّتين ، وانّما يطلق عليهما « الشرّ » بالقياس إلى المظلوم الفاقد لخيره وكماله ، أو إلى السنّة العادلة في السياسة المدنيّة المختلّ نظامها بذلك ، أو إلى النفس الناطقة لضعفها عن ضبط قوتيها الحيوانيّتين ، وانصرافها بذلك عن صقع النور إلى هاوية الظلمة ، وعن عالم القدس إلى عالم اقذار الطبيعة الهيولانيّة . فالشرّ على الحقيقة ، هو فقدان أحد تلك الأشياء قسط كماله ونصاب حظّه وبهجة تمامه . وانّما اطلق على الأسباب المتأدّية إلى ذلك بالعرض . وكذلك القول في الاخلاق الّتي هي من المبادى والأسباب . وكذلك الآلام ليست هي من الشرور ، بما هي ادراكات لأمور ، ولا من حيث وجود تلك الأمور في أنفسها ، أو من حيث صدورها عن عللها ، بل انّما شرّيّتها بالعرض ، بحسب حال المتألّم الفاقد لاتّصال عضو من شانه ان يتّصل ، من حيث هو فاقد ايّاه . فاذن قد استتبّ انّ الشرّ في ماهيّته ، عدم وجود أو عدم كمال وجود أو عدم كمال ما لموجود ، من حيث انّ ذلك العدم غير لايق به في نفس الامر ، أو غير مؤثر عنده ، وانّ الموجودات ليست ، من حيث هي موجودات ، ولا من حيث هي اجزاء نظام الوجود ، بشرور أصلا . انّما يصحّ ان تدخل في الشرّيّة بالعرض ، إذا قيست إلى خصوصيّات الأشياء العادمة لكمالاتها ، ولوحظت باعتبار قياسها إليها ، لا من حيث ذواتها ، بل من حيث هي مؤدّية إلى تلك الاعدام . فاذن ، انّما شرور العالم أمور اضافيّة مقيسة إلى آحاد اشخاص معيّنة ، بحسب لحاظ خصوصيّاتها مفصولة عن النظام الجملىّ