سبيل العقل المضاعف ، انّ علمه تعالى بما عدا ذاته ، من جهة علمه بذاته الّذي هو عين مرتبة كنه ذاته . فذاته الاحد الحقّ من كلّ جهة ، عين العلم التامّ وفوق التمام بجميع الأشياء .
ولا يتصوّر هناك اشتداد في العلم وازدياد في الانكشاف ، إذ ملاك ظهور كلّ شئ وانكشافه ، هو ظهور نفس ذاته سبحانه بذاته لذاته ، وعدم عزوب ذاته عن ذاته الّذي هو بعينه عدم عزوب شئ من الأشياء عنه ، تعالى سلطانه ، ولا مدخل لوجود الأشياء في ذلك بوجه من الوجوه أصلا . فعلمه التامّ الحضورىّ بكلّ شئ ، قبل وجود الأشياء وعند وجودها ، على سبيل واحد . فاذن ، لا يستصحّ العقل الصريح نسبة الاجمال والتفصيل إلى علمه التامّ المحيط بكلّ شئ أزلا وابدا ، قبل حدوث الأشياء في الدهر وبعد حدوثها . بل انّما الصحيح اسنادهما إلى معلوماته الّتي هي الأشياء . فهي بحسب ذواتها توجد مجملة تارة ، ومفصّلة أخرى . وعلمه التامّ سبحانه بها في مراتب وجودها الاجمالىّ ووجوداتها التفصيليّة ، غير موصوف بشيء من الاجمال والتفصيل ، الّا إذا ما اطلق « العلم » وريم به المعلوم . فقد جرى ذلك في تضاعيف الاطلاقات ، كما في قوله عزّ من قائل :
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ » .
وبالجملة ، فقدره تعالى في الموجودات ، بحسب تأدية الأسباب المترتّبة إلى كلّ موجود موجود بخصوص تعيّنه ، وخصوصيّة هويّته تفصيل قضائه الاوّل فيها ، بحسب تسبّب علمه سبحانه بوجه الخير في نظام الوجود لوجودها في الدهر ، مجتمعة جملة في شخصيّة عالم الكلّ الوحداني ، بامكانه ووجوده بالفعل . فاذن ، القضاء نسبة فاعليّة البارئ الحقّ سبحانه ، على حسب علمه وعنايته ، إلى الانسان الكبير في مرتبة شخصيّته الوحدانيّة الجمليّة . والقدر نسبة فاعليّته سبحانه إلى هذا الانسان الكبير ، في مرتبة تشريح أعضائه واجزائه وتفصيل اخلاطه وأركانه وارواحه وقواه ، بحسب تأدية الأسباب المترتّبة المتأدّية إلى خصوصيّات تفاصيلها . فليتبصّر .
وميض
قال الشريك في ساقة الفنّ الثالث من طبيعيّات الشفاء : وجميع الأحوال الارضيّة