تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
نعرف العقل أكثر من سائر الأشياء ، فانّا لسنا نعرفه كنه معرفته . وذلك انّ « ما هو ؟ » و « لم هو ؟ » هما في العقل شئ واحد ، لانّك إذا علمت ما العقل ، علمت لم هو . وانّما يختلف « ما هو ؟ » و « لم هو ؟ » في الأشياء الطبيعيّة الّتي انّما هي أصنام للعقل . ثمّ قال انّ كلّ صورة من الصور العقليّة فهي ، والشئ الّذي من اجله كانت تلك الصورة واحد . ولا أقول انّ صورة العقل هي علّة انّيّتها ، لكنّى أقول انّ صورة العقل نفسها إذا بسطتها وأردت ان تفحص عنها بما هي ، وجدت في ذلك الفحص بعينه « لم هي » أيضا . ثمّ قال : ونقول : كما انّ هذا العالم مركّب من أشياء ، يتعدّل بعضها ببعض ، فيكون العالم كالشىء الواحد الّذي لا خلاف فيه ، وتكون إذا علمت « ما العالم ؟ » علمت « لم هو ؟ » وذلك انّ كلّ جزء منه مضاف إلى الكلّ ، فلا تراه كانّه جزء ، لكنّك تراه كالكلّ . وذلك انّك لا تأخذ حينئذ اجزاء العالم كانّ بعضها من بعض ، لكنّك تتوهّمها كلّها كانّها شئ واحد ، لم يكن أحدها قبل الاخر . فإذا توهّمت هكذا ، صيّرت العلّة مع المعلول ، لا تتقدّمه . فإذا توهّمت العالم واجزاءه على هذه الصفة ، كنت قد توهّمته توهّما عقليّا ، فيكون إذا عرفت « ما العالم ؟ » عرفت أيضا « لم هو ؟ » معا . فإذا كانت كلّيّة هذا العالم على ما وصفنا ، فبالحري ان يكون العالم الاعلى على هذه الصفة أيضا . ثمّ قال في ساقة الميمر : صفات العقل كلّهنّ حاضرة ، لا تتقدّم إحداهنّ الأخرى . وذلك انّ جميع صفات العقل ابدعت مع ذاته معا . فإذا كان هذا هكذا ، كان وجود « ما هو ؟ » و « لم هو ؟ » في العقل معا . فإن كان وجودهما معا ، فلا محالة انّك إذا علمت ما العقل ، فقد علمت « ما هو ؟ » وإذا علمت « ما هو ؟ » فقد علمت « لم هو ؟ » غير انّ « ما هو ؟ » اشدّ ملائمة للأشياء العقليّة من « لم هو ؟ » . وذلك انّ « ما هو ؟ » يدلّ على علّة بدء الشيء ، و « لم هو ؟ » يدلّ على علّة تمام الشئ . والعلّة المبتدئيّة هي العلّة النماميّة بعينها في الأشياء العقليّة . فلذلك إذا علمت « ما الشئ العقلىّ ؟ » علمت « لم هو ؟ » كما بيّنّا ذلك وأوضحناه ، انتهى كلام اثولوجيا .
القبسات — صفحة 400 | السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )