في جانب الظاهر ، قويّة التلقّى من عالم الغيب ، فانّها تتخلّص عن شركة الطبيعة ، وهي في تدبير البدن ، وتعزل اللحظ عن الجنبة الجسدانيّة ، وهي في حال اليقظة ، فترجع إلى عالمها ، وتتّصل بروح القدس وبمن شاء اللّه من ملائكته المقرّبين ، وتستفيد من هناك العلم والحكمة بالانتقاش على سبيل الرشح ، أو بالاشراق على سبيل الانعكاس كمرآة مجلوّة حوذى بها شطر الشمس .
وحقيقة الايحاء والوحي ، مخاطبة العقل الفعّال للنفس الناطقة بألفاظ منظّمة مسموعة مفصّلة . وله انحاء مختلفة ومراتب متفاوتة ، بحسب اختلاف درجات النفس في أطوارها وأحوالها المختلفة . وربّما يكون في بعض الأحايين ، بحسب بعض المقامات والدرجات ، لا يتخصّص الشبح المتمثّل المبصر والكلام المنظّم المسموع بجهة من جهات العالم الجسمانىّ بخصوصها ، بل الامر يعمّ الجهات بأسرها . وفي الحديث انّ جبرئيل ، عليه السّلام ، اتى النّبىّ ، صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، مرّة في صورته الخاصّة كانّه طبّق الخافقين . وبالجملة ، أفضل طبقات الملائكة ، عند الحكماء المتالّهين والعلماء الراسخين ، العقول والنفوس .
قال الشريك في رسالة الحدود : الملك جوهر بسيط ذو حيوة ونطق عقلىّ غير مائت ، هو واسطة بين البارئ ، جلّ وعزّ ، والأجسام الارضيّة . فمنه عقلىّ ومنه نفسانىّ ومنه جسمانىّ . وقال في اوّل عاشرة إلهيّات الشفاء : فالوجود إذا ابتدأ من عند الاوّل تعالى ، لم يزل كلّ تال منه أدون مرتبة من الاوّل ، ولا يزال ينحطّ درجات ، فاوّل ذلك درجة الملائكة الرّوحانيّة المجرّدة الّتي تسمّى « عقولا » ومراتب الملائكة الّتي تسمّى « نفوسا » ، وهي الملائكة العملة ، ثمّ مراتب الاجرام السماويّة ، وبعضها اشرف من بعض ، إلى أن يبلغ آخرها . ثمّ بعدها يبتدئ وجود المادّة القابلة للصور الكائنة الفاسدة ، فتلبس اوّل شئ صور العناصر ، ثمّ تتدرّج يسيرا يسيرا ، فيكون اوّل الوجود فيها اخسّ وأرذل مرتبة من الّذي يتلوه ، فيكون اخسّ ما فيه المادّة ، ثمّ العناصر ، ثمّ المركّبات الجماديّة ، ثمّ الناميات ، وأفضلها الانسان ، وبعده الحيوانات ، ثمّ النبات .
القبسات — صفحة 402
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٤٠٢