وميض
قال الشريك في تاسعة إلهيّات الشفاء : انّ النفس الناطقة ، كمالها الخاصّ بها ان تصير عالما عقليّا مرتسما فيها صور الكلّ والنظام المعقول في الكلّ والخير الفائض في الكلّ ، مبتديا من مبدأ الكلّ ، سالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانيّة المطلقة ، ثمّ الروحانية المتعلّقة نوعامّا بالأبدان ، ثمّ الأجسام العلويّة بهيئاتها وقواها ، ثمّ كذلك حتّى تستوفى في نفسها هيئة الوجود كلّه فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كلّه ، مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والجمال المطلق ، ومتّحدا به ومنتقشا بمثاله وهيئته ، ومنخرطا في سلكه ، وصائرا من جوهره .
وقال في اوّل العاشرة : وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلا بالفعل ، ومحصّلا للأخلاق الّتي تكون فضائل عمليّة . وأفضل هؤلاء ، هو المستعدّ لمرتبة النبوّة ، وهو الّذي في قواه النفسانيّة خصائص ثلث ذكرناها ، يسمع كلام اللّه تعالى ، ويرى ملائكته وقد تحوّلت له على صورة يراها . فقد بيّنا كيفيّة هذا ، وبيّنا انّ هذا الّذي يوحى اليه تتشبّح له الملائكة ، ويحدث له في سماعه صوت يسمعه من قبل اللّه والملائكة ، فيسمعه من غير أن يكون ذلك كلاما من النّاس والحيوان الأرضي . وهذا هو الموحى اليه .
وكما انّ اوّل الكائنات من الابتداء إلى درجة العنصر ، كان عقلا ، ثمّ نفسا ، ثمّ جرما ، فههنا يبتدئ الوجود من الاجرام ، ثمّ تحدث نفوس ، ثمّ عقول .
ثمّ في آخر المقالة ، وهو ساقة ختم الشفاء ، قال : ورؤوس هذه الفضائل ، عفّة وحكمة وشجاعة ومجموعها العدالة ، وهي خارجة عن الفضيلة النظريّة ، ومن اجتمعت له معها الحكمة النظريّة ، فقد سعد . ومن فاز مع ذلك بالخواصّ النبويّة ، كاد يصير ربّا انسانيّا ، فكاد ان تحلّ عبادته بعد اللّه ، وكاد ان تفوّض اليه أمور عباد اللّه . وهو سلطان العالم الارضىّ ، وخليفة اللّه فيه . انتهى كلام الشفاء .
وقد ذكر الخصائص الثلث ، واستقصى بيانها ، واحفى القول فيها في طبيعيّات الشفاء وفي كتاب المبدأ والمعاد . قلت : والّذي استتمّ له نصاب أقصى الكمال فيها ، ساد