وأفضل الناس من استكملت نفسه عقلا بالفعل ومحصّلا للأخلاق الّتي تكون فضائل عمليّة .
وميض
انّ وجود الجنّ ممّا لا صادّ عنه في مذهب البرهان . وقد وردت بذلك نصوص التنزيل الكريم الالهىّ وأحاديث سيّدنا ونبيّنا ، سيّد العقول والنفوس ، خاتم الأنبياء والمرسلين وأوصيائه الطاهرين خزنة الوحي وحفظة الدين ، صلوات اللّه وتسليماته عليه وعليهم أجمعين ، بحيث لا محيد هناك عن الاعتقاد على سبيل اليقين . قال الشريك في رسالة الحدود : الجنّ هو حيوان هوائىّ ناطق مشفّ الجرم ، من شأنه ان يتشكّل باشكال مختلفة ، وليس هذا رسمه ، بل معنى اسمه .
قلت : انّما يكون حيوانا هوائيّا ناطقا ، لو كان ذا نفس ناطقة مجرّدة مدبّرة لبدن هوائىّ . فالحقّ ما ذهب اليه شركاء الصناعة من حكماء الإسلام ، انّ الجنّ ليست أجساما ولا جسمانيّة ، بل هي موجودات مجرّدة مخالفة بالماهيّة للنفوس البشريّة ، متعلّقة بأجساد ناريّة وهوائيّة ، قادرة على التصرّف في هذا العالم . وهو مغزى كلام الشريك ومرامه .
وبه قال امام المتشكّكين في الملخّص .
وقال في المحصّل : القول في الملائكة والجنّ والشياطين - قال المتكلّمون انّها أجسام لطيفة قادرة على التشكّل باشكال مختلفة . والفلاسفة وأوائل المعتزلة انكروها ، قالوا ، لانّها ان كانت لطيفة بمنزلة الهواء ، وجب ان لا تكون قويّة على شئ من الافعال ، وان تفسد تراكيبها بأدنى سبب . وان كانت كثيفة ، وجب ان نشاهدها ، وإلّا ، لجاز أن تكون بحضرتنا جبال ، ولا نراها . والجواب : لم لا يجوز أن تكون لطيفة ، بمعنى عدم اللون ، لا بمعنى رقّة القوام ؛ سلّمنا انّها كثيفة ، لكن بيّنّا انّ ابصار الكثيف عند الحضور غير واجب .
امّا الفلاسفة ، فقد زعموا انّها لا متحيّزة ولا قائمة بالمتحيّز . ثمّ اختلفوا . فالأكثرون قالوا انّها ماهيّات مخالفة بالنوع للأرواح البشريّة . ومنهم من يقول : الأرواح الّتي فارقت أبدانها ، ان كانت شرّيرة ، كانت شديدة الانجذاب إلى ما يشاكلها من النفوس البشريّة ،