ذاته الروحانيّة ، عالما عقليّا مضاهيا لنظام كلّ الوجود ، ونسخة قدسيّة مطابقة لنسخة كتاب العالم ، إذا ما عورض أحدهما بالاخر ، لم يوجد حرف ممّا في احدى النسختين مخالفا لحرف ممّا في النسخة الأخرى . فاعلمن انّ وجوب كون مبدأ المبادى ، جلّ سلطانه ، اوّلا في ترتيب البدء وآخرا في ترتيب العود ، ووجوب الموازاة بين مراتب البدء ومراتب العود في السلسلتين الّذي هو مقتضى الحكمة البالغة التامّة الربوبيّة ، والعناية الأولى الكاملة الالهيّة مبدأ استيجاب هذه المرتبة العقليّة الأخيرة العوديّة في نظام الوجود ، إزاء لتلك المرتبة الأولى العقليّة البدئيّة .
فاذن ، يجب وجود النفس المجرّدة الناطقة الانسانيّة ، واستكمال قصوى الغاية ، واستتمام نصاب الكمال في مرتبة عقلها المستفاد ، مراتب العود ، بإزاء مرتبة العقول المفارقة في مراتب البدء .
والّا ، لبطل تنسيق المراتب واتّساق النظام ، ولانتقص تماميّة الحكمة التامّة وكماليّة العناية الكاملة .
وأيضا ، كما المرتبة الأولى في البدء تبتدئ من الجناب الحقّ الوجوبىّ ، ولا شئ فوقها الا ذاته الحقّة الواجبة ، ويستحيل انبجاس الناقص الزيّف وابتداؤه من الكامل المتعال ، الا عن أقصى الكمال بلا واسطة ، فكذلك المرتبة الأخيرة في العود تنتهى إلى جنابه الاعلى الربوبىّ ، ولا شئ وراءها ، الا ذاته التامّة الاحديّة . ومن المستحيل انسياق الناقص الخداج وانتهاؤه في الترتيب إلى الكامل التامّ وفوق التمام بلا واسطة . فهذا البرهان على تجرّد النفس الناطقة الانسانيّة ، واستتمام أعلى النصاب الممكن في مرتبة العقل المستفاد ، من خواصّ هذا الكتاب ، ولا محيد عن حكمه . فلا تكوننّ من الجاحدين .
وميض
إذا ثبت انّ النفس الناطقة غير منطبعة في الجسم ، بل هي ذات آلة به ، وانّما الشبكة المزاجيّة والشركة الهيولانيّة ، لان يصطاد بها حدوثها ، لا لان يستدام بها بقاؤها ، فإذا خرج الجسم بالموت عن صلوح ان يكون آلة لها ، فلا يضرّ خروجه عن ذلك جوهر ذاتها الملكوتيّة ، كما لا يضرّ ذات الشمس خروج المرآة بالتصدية عن قبول نور الشمس وانعكاسه منها ، ولا ذات النجّار خروج المنشار عن صلوح كونه آلة له ، بل لا تزال باقية