تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
كما كانت العقول في المرتبة الأولى البدويّة مشتملة عليها اشتمالا فعليّا . فبالعقل المستفاد عاد الوجود إلى المبدأ الّذي ابتدأ منه . فمرتبة العقل المستفاد في العود بإزاء مرتبة العقول في البدء ، فهما في الشرف والكمال متوازيتان متكافيتان ، لا يتصحّح بينهما تفاضل ومفاضلة في الشرف والخسّة ، لكونهما بحسب القرب من المحيط الّذي هو الواجب بالذات والبعد من المركز الّذي هو الهيولى ، في درجة واحدة وعلى نسبة واحدة .

وميض

قال صاحب المحاكمات : اوّل مراتب العود الأجسام البسيطة الفلكيّة والعنصريّة ، لانّها مركّبة من الصورة والهيولى ، فهما مقدّمتان عليها . ثمّ مرتبة المركّبات ، فانّ العناصر إذا تركّبت ، يحصل لها مزاج . فاوّلها المعدن ذو صورة تحفظ مزاجه . ثمّ مركّب آخر ذو مزاج وصورة تحفظ المزاج وتحرّك في جميع الجهات ، اى النموّ ، وهو النبات . ثمّ مركّب آخراه مزاج وصورة وتحرّك في الجهات وإرادة واحساس ، وهو الحيوان . ثمّ مركّب آخر يحصل له مع جميع ذلك ادراك الكلّيّات ، وهو الانسان ، وله مراتب إلى العقل المستفاد . فالنفس الانسانيّة في آخر المراتب تصير عقلا ، لكن لا فعّالا للكمالات ، بل عقلا ومنفعلا بحسب قبول الكمالات من العقل الفعّال . ولهذا سمّى « عقلا مستفادا » وظاهر انّ الشّرف مرتّب في مراتب البدء ومراتب العود على التّكافؤ ، اى الأشرف في مراتب البدء بإزاء الاخسّ في مراتب العود . ثمّ انّ الشرف في مراتب البدء يتناقص إلى الهيولى ، كما انّ الخسّة في مراتب العود تتناقض إلى العقل المستفاد . وعلم من هذا الكلام ، انّ هذه المراتب انّما اعتبرت بحسب الشرف والكمال ، لا بحسب الوجود . فلا يظنّ انّ المعدن اقدم وجودا من الانسان ، بل انّما قدّم في مراتب العود ، لانّه اقلّ شرفا منه ، انتهى قوله . قلت : والخبط فيه غير طفيف ، فقد التبس عليه انّ التقدّم بالطبع في درجة الوجود بحسب حكم العقل ، وراء التقدّم بالطبع في المرتبة ، اعني التقدّم بالذات الّذي هو المستلزم لنحو ما من العلّيّة البتّة . فانّ ما مع المتقدّم بالذات في المرتبة ، لا يلزم ان يكون متقدّما