وذلك انّ الأشياء كلّها انبجست منه ، وبه ثباتها وقوامها ، واليه مرجعها . فان قال قائل : كيف يمكن أن تكون الأشياء من الواحد المبسوط الّذي ليس فيه منثويّة ولا كثرة بجهة من الجهات ؟ قلنا : لانّه واحد محض مبسوط ليس فيه شئ من الأشياء . فلمّا كان واحدا محضا ، انبجست منه الأشياء كلّها . وذلك انّه لمّا لم يكن هويّة ، انبجست منه الهويّة .
وأقول واختصر القول ، انّه لمّا لم يكن شيئا من الأشياء رايت الأشياء كلّها منه غير انّه وان كانت الأشياء كلّها انبجست منه ، فانّ الهويّة الأولى ، اعني به هويّة العقل ، هي التي انبجست منه اوّلا بغير وسط ، ثمّ انبجست منه جميع هويّات الأشياء الّتي في العالم الاعلى والعالم الأسفل ، بتوسّط هويّة العقل والعالم العقلىّ .
وأقول انّ الواحد المحض ، هو فوق التمام والكمال . وامّا العالم الحسّىّ ، فناقص ، لانّه مبتدع من الشئ التامّ وهو العقل . وانّما صار العقل تامّا كاملا ، لانّه مبتدع من الواحد الحقّ الّذي هو فوق التمام . ولم يكن بممكن ان يبدع الشئ الّذي فوق التمام الشئ الناقص بلا توسّط ، ولا يمكن للشّىء التامّ ان يبدع تامّا مثله ، لانّ الابداع نقصان ، اعني به انّ المبدع لا يكون في درجة المبدع ، بل يكون دونه . انتهى كلام اثولوجيا بعبارته . وكانّك بما تلوناه عليك ، مضطلع بشرحه وتحقيقه .
وميض
انّ في السهو والنسيان في المعقولات شكّا قد اعتاص على المقلّدين ، ونقل غير واحد من تلامذة خاتم البرعة المحقّقين عنه ، انّه رضوان اللّه تعالى عليه ، لم يأت فيه بما يستحقّ الذكر . قال علّامة فقهائنا ، روّح اللّه مضاجعهم ، في شرح تجريد العقائد ، في مطابقة الاحكام الذهنيّة لما في نفس الامر ، بهذه العبارة : وقد كان في بعض أوقات استفادتي منه ، رحمه اللّه ، جرت هذه النكتة ، وسألته عن معنى قولهم انّ الصادق في الاحكام الذهنيّة ، هو اعتبار مطابقته لما في نفس الامر ، والمعقول في نفس الامر ، امّا الثبوت الذهنىّ أو الخارجىّ ، وقد منع كلّ منهما هاهنا . فقال ، رحمه اللّه : المراد « بنفس الامر » هو العقل