ذلك الحدّ المسمّى « فتعرف كينونيّته » على المجهول ، والعائد اما لمسمّى أو لحدّ .
« بصنع غيره » لإضافة إلى الفاعل ، والعائد في « غيره » أيضا امّا لمسمّى أو لحدّ . و « لم يتناه إلى غاية » على المجهول ، أو على المعلوم . وحاصل مغزاه انّ المغيّا غير الغاية ، والغاية الموضوعة له ، لا محالة موصوفة معلومة الوصف محدودة الكنه مكنوهة الحدّ موهومة الذات . وكلّ موصوف موهوم أو معقول ، لا محالة مصنوع . فصانع الأشياء على الاطلاق يجب ان يكون غير موصوف بحدّ ، إذ ذلك الحدّ لا محالة مصنوع معلول ، لم يكن كائنا بذاته . فتعرف كينونيّته يصنع غيره ايّاه ، ولم تتناه العقول والأوهام إلى غاية ، الّا وهي غير مرتبة عزّه وجلاله ، ودون ما ينبغي له ويليق بجناب قدسه وكماله ، عزّ مجده وجلّ سلطانه . « لا يذلّ من فهم هذا الحكم » الحكم بالضمّ ، هو الحكمة من العلم ، وأيضا مصدر « حكم بينهم بحكم » اى قضى . قاله الجوهرىّ في الصحاح . والحكمة معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم . ومنه في التنزيل الكريم :
« رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً »
. وقال بعض أصحاب التفسير : اى كمالا في العلم والعمل استعدّ به خلافة الحقّ ورئاسة الخلق .
« فارعوه » امّا بالوصل من الرعاية ، بمعنى الحفظ ، اى فاحفظوه وارقبوه . يقال « رعاه يرعاه رعاية » و « راعاه يراعيه مراعاة » أو من « الرعاية » بمعنى الوفاء ، وذلك لغة معروفة ، وامّا بالقطع من « ارعاه سمعه يرعيه » اى اصغى اليه ، أو من « ارعيت عليه ارعى ارعاء » اى ابقاء وحفظا ورفقا وقياما بأداء حقوقه .
و « انّما عرف اللّه من عرفه بالله » من عرف اللّه سبحانه من جميع جهاته الكماليّة بنفس ذاته الحقّة الاحديّة ، لا بمفهوم آخر وحيثيّة أخرى ، وراء مرتبة نفس ذاته ، فقد عرف اللّه بالله ، ومن عرفه من حيث الصفات والكمالات بمفهومات متغايرة وحيثيّات متكثّرة واعتبارات زائدة على نفس حيثيّة ذاته الاحديّة الحقّة ، فلم يعرفه ، بل عرف ، أمورا موهومة مصنوعة ، وراء ذاته . ومن سبيل آخر ، انّما عرف اللّه عزّ وجلّ من عرفه ، لا باستشهاد من الخلق عليه ، بل بالنظر في طباع الوجود بما هو هو ، إذ ليس مطابقه الأنفس ذاته سبحانه .