والكمالات . فيجب أن تكون صفة الإرادة والاختيار أيضا عين ذاته الحقّة الواجبة من جميع الجهات ، كما سائر صفات الكمال ، من غير فرق . وأيضا أليس جميع الحقائق ، بما لها من الصفات والملكات ، من فرايض الحقيقة ونوافلها ؟ اى الكمالات الأولى والكمالات الثانية مخلوقة للّه سبحانه ، مستندة إلى صنعه وجوده ووهبته وافاضته . فالله سبحانه هو الّذي يهب العلم للعلماء والقدرة للقادرين والإرادة لاولى الإرادات والاختيار للمختارين . ومن المرتكز في قطرة العقول ، انّه لا يهب الكمال القاصر عنه . من تجشّم ان يستنكر ذلك فقد فارق الجبلّة الانسانيّة ، وتخلّع من الفطرة العقليّة والعزيزة الروعانيّة . ومن المستبين انّ كلّ من ليس الكمال ، اىّ كمال كان ، عين مرتبة ذاته ، فهو لا محالة قاصر عنه . فاذن ، وجب أن تكون الإرادة والاختيار عين مرتبة ذاته الاحديّة الحقّة سبحانه ، كما العلم والقدرة وسائر جهات زينة الحقيقة وكمالات الوجود .
وإلى ذلك بشير قوله ، عزّ من قائل ، في التنزيل الحكيم والقرآن الكريم .
« وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ »
، إذ يجب ان يكون العليم بحسب ذاته ، غير ذي علم زائد على ذاته ، حتّى يصدق انّه فوق كلّ ذي علم على العموم الاستغراقىّ . ومن المنصرح انّه انّما مناط ذلك مطلق الحيثيّة الكماليّة ، لا خصوصيّة حيثيّة العلم . فليعلم .
وميض
انّ هناك شكّا مستصعبا عويصا ، وهو انّ إرادة اللّه تعالى لا يصحّ أن تكون عين علمه سبحانه ، فانّه سبحانه يعلم كلّ شيء ، ولا يريد شرّا ولا ظلما ولا كفرا ولا شيئا من القبائح والسيّئات . فعلمه تعالى متعلّق بكلّ شيء بالذات ، ولا كذلك ارادته .
فلا محالة تكون ارادته تعالى امرا آخر وراء علمه وسبحانه ، وعلمه سبحانه عين ذاته الاحديّة الحقّة ، جلّ سلطانه . فاذن ، تكون ارادته سبحانه امرا آخرا وراء صرف حقيقته ، وزائدا على نفس ذاته . فلا يكون المريد من جهات ذاته ، ولا من أسماء صفاته .
والّا ، لكان عين ذاته .
فهذه شبهة قد استحصفها شيخنا الأقدم ، رئيس المحدثين ، أبو جعفر محمّد بن