ما يقنّنه الصّانع القيّاس ، فامر قد كردنا فيه أنفسنا [ هواجس أنفسنا ] وكددنا في طلبه [ تحصيله ] مدّة من العمر ، حتّى استنبطناه ، فان عرض في هذا الفنّ الواحد تقصير ، فليعذر من يشعر به عند التصفّح ، وليقبل المنّة بما افدناه من الصواب ، وليعلم انّ إفادة المبدأ واستخراج قاعدة الصناعة ، اجلّ موقعا وأسنى مرتبة من البناء عليها ، خصوصا إذ [ إذا ] كان المستنبط ، مع انّه مخترع مبتدى ، محيط بكمال الصناعة وقوانينها ، لا يذر منها الّا ما لا يعتدّ معه [ به ] .
ثمّ قال : فهذا ما يقوله المعلّم الاوّل . وامّا انا فأقول لمعشر المتعلّمين والمتامّلين للعلوم : تامّلوا ما قاله هذا العظيم ، ثمّ اعتبروا : هل ورد من بعد هذا إلى هذه الغاية ، والمدّة قريبة من الف وثلاثمائة وثلثين سنة ، من اخذ عليه انّه قصّر ، وصدق فيما اعترف به من التقصير ، فانّه قصّر في كذا ؟ وهل بلغ من بعده ، من زاد عليه في هذا الفن زيادة ؟ كلّا ، بل ما عمله هو التامّ الكامل ، والقسمة تقف عليه وتحظر تعدّيه إلى غيره . ونحن مع غموض نظرنا ، كان ايّام انصبابنا على العلم وانقطاعنا بالكلّية اليه ، واستعمالنا ذهنا أذكى وافرغ لما هو واجب ، قد اعتبرنا واستقرينا وتصفّحنا ، فلم نجد للسوفسطائيّة مذهبا خارجا عمّا أورده . فإن كان شئ ، فتفاصيل لبعض الجمل الّتي اخذناها منه ما نحن نرجو ان نستكثر من الدلالة عليه في اللواحق ، حين ما نرجو أن تكون افرغ لما هو أوجب ، والّذي عمله معلّمه وسمّاه كتاب سوفسطيقا ، حاد فيه عن الواجب ، وقصّر فيه عن الكفاية . امّا الحيد ، فخلطه المنطق بالطبيعىّ والالهىّ . وهذا لضعف تمييز كان فيه قبل نبوغ هذا العظيم .
وامّا التقصير ، فانّه لم يفهّم وجها للمغالطة الّا الاسم المشترك . وبالحرى ان نصدق ونقول ، انّه ان كان ذلك الانسان مبلغه من العلم ما انتهى إلينا منه ، فقد كانت بضاعته مزجاة ، ولم تنضج الحكمة في أوانه نضجا تجنى . ومن يتكلّف له العصبيّة ، وليس في يديه من علمه الّا ما هو منقول الينا ، فذلك امّا عن حسد لهذا الرجل ، وامّا لعاميّة فيه ترى انّ الأقدم زمانا اقدم في الصناعة رتبة ، والحقّ بالعكس . انتهى كلام الشفاء بعبارته .
القبسات — صفحة 277
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص٢٧٧