في الأشياء الطبيعيّة الّتي انّما هي أصنام للعقل . وأقول انّ الانسان الحسّىّ ، انّما هو صنم للانسان العقلىّ ، والانسانىّ العقلىّ روحانىّ ، وجميع أعضائه روحانيّة ، ليس موضع العين غير موضع اليد ، ولا مواضع الأعضاء كلّها مختلفة ، لكنّها كلّها في موضع واحد .
فلذلك لا يقال هناك « لم كانت العين ، أو كانت اليد ؟ » فامّا هاهنا ، فمن اجل انّه صار كلّ عضو من أعضاء الانسان في موضع غير موضع صاحبه ، وقع عليه « لم كانت اليد ؟ » و « لم كانت العين ؟ » فامّا هناك ، لمّا صارت أعضاء الانسان العقلىّ كلّها معا وفي موضع واحد ، صار « ما الشئ ؟ » و « لم كان الشئ ؟ » شيئا واحدا . انتهى بحروفه وألفاظه .
قلت : معناه ومغزاه انّ الانسان الحسّىّ ، وهو هذا الانسان الهيولانىّ ، بحسب قياسه الينا وإلى ادراكنا ايّاه ، وبحسب وقوعه في عالم المكان وفي عالم الزمان ، وهما إقليما عالم الخلق ، صنم للانسان العقلىّ ، وهو هذا الانسان الهيولانىّ المحسوس بعينه ، بحسب نسبته ، إلى بارئه وسلطانه جلّ مجده عليه ، وقياسه إلى علمه واحاطته سبحانه به ، من جهة العلم بعالمه والإحاطة بأسبابه ، وبحسب حصوله في حاقّ ارض الواقع ، ووقوعه في متن وعاء الدهر الّذي هو حيّز فضاء عالم الامر . فهذا الانسان الشخصىّ ، بما هو حسّىّ ، مكانىّ ومتغيّر زمانىّ ، موضع كلّ عضو من أعضائه غير مواضع سائر الأعضاء ، لتخلّل امتداد مكانىّ بينها ، ووقت صباه مثلا ، غير وقت شيبته ، ووقت شيبته غير وقت هرمه ، لتخلّل امتداد زمانىّ بينها . وبما هو بعينه عقلىّ ، بقياسه إلى بارئه العليم ، ودهرىّ ، بقياسه إلى متن الواقع ، موضع كلّ عضو منه هو بعينه موضع سائر الأعضاء ، ووقت كلّ حال من أحواله ، هو بعينه وقت سائر الأحوال . فقد انصرح لك مرارا ، انّ الامتداد المكانىّ من مركز العالم إلى محيط محدّد الجهات ، بحسب هذا الاعتبار ، في منزلة نقطة واحدة ، والامتداد الزمانىّ من آزاله إلى آباده ، في منزلة آن واحد .
وإلى هذا المعنى أومأ ، في الميمر الثّامن إذ قال : من رأى العالم الحسّىّ ، ورأى هذه الأشياء الحسيّة الّتي في هذا العالم السفلى الحسّىّ ، فليرق بعقله إلى العالم الاعلى الحقّ الّذي انّما هذا العالم مثال له ، ويلقى بصره عليه ، فانّه سيرى الأشياء كلّها الّتي رآها
القبسات — صفحة 166
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص١٦٦