تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القبسات — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
واحد منهما وجودا ، فسمّوا الوجود المفارق « وجودا مثاليّا » وجعلوا لكلّ واحد من الأمور الطبيعيّة صورة مفارقة هي المعقولة ، وايّاها يتلقّى العقل ، إذ كان المعقول امرا لا يفسد ، وكلّ محسوس من هذه فهو فاسد ، وجعلوا العلوم والبراهين تنحو نحو هذه ، وايّاها تتناول . وكان المعروف بافلاطن ومعلّمه سقراط يفرطان في هذا الرأي ويقولان انّ للانسانيّة معنى واحدا موجودا ، تشترك فيه الاشخاص ، ويبقى مع بطلانها ، وليس هو المعنى المحسوس المتكثّر الفاسد ، فهو اذن المعقول المفارق . وقوم آخرون لم يروا لهذه الصور مفارقة ، بل لمباديها . وجعلوا الأمور التعليميّة الّتي تفارق بالحدود ، مستحقّة للمفارقة بالوجود ، وجعلوا ما لا يفارق بالحدّ من الصور الطبيعيّة لا تفارق بالذات ، وجعلوا الصور الطبيعيّة انّما تتولّد بمقارنة تلك الصور التعليميّة للمادّة ، كالتقعير ، فانّه معنى تعليمىّ ، فإذا قارن المادّة ، صار فطوسة ، وصار معنى طبيعيّا . فكان للتقعير ، من حيث هو تعليمىّ ، ان يفارق ، وان لم يكن له ، من حيث هو طبيعىّ ، ان يفارق . وامّا افلاطن ، فأكثر ميله إلى انّ الصور هي المفارقة . وامّا التعليميّات ، فانّها عنده معان بين الصور وبين المادّيّات ، فانّها ، وان فارقت بالحدّ ، فليس يجوز عنده ان يكون بعد قائم لا في مادّة . لانّه امّا ان يكون متناها ، وامّا غير متناه . فإن كان غير متناه ، فذلك يلحقه ، لأنّه مجرد طبيعة ، كان حينئذ كلّ بعد غير متناه . فان لحقه لانّه مجرّد عن المادّة ، كانت المادّة مفيدة للحصر والصورة . وكلا الوجهين محال . بل وجود بعد غير متناه محال . وان كان متناهيا ، فانحصاره في حدّ محدود وشكل مقدّر ، ليس الّا لانفعال عرض له من خارج ، لا لنفس طبيعته ، ولن تنفعل الصورة الّا لمادّتها ، فتكون مفارقة وغير مفارقة ، وهذا محال . فيجب أن تكون متوسّطة ، انتهى كلامه بألفاظه . قلت : المثل الافلاطونيّة في المشهور الدائر على الألسن مفسّرة في هذا الموضع بالطبايع المرسلة الموجودة في متن الدهر وحاق الأعيان ، بلا بشرطيّتها من حيث هي هي ، منمازة في عالم الامر عن الافراد ، وراء مالها من الوجود في عالم الخلق ، بعين وجود الافراد ،