والأعرف عندنا أيضا هي الأقدم عندنا ، والأعرف عند الطبيعة هي الأشياء الّتي تقصد الطبيعة قصدها في الوجود . فإذا رتّبت الكلّيّات بإزاء الجزئيّات المحسوسة ، كانت المحسوسات الجزئيّة اقدم عندنا واعرف عندنا معا . وذلك لانّ اوّل شئ نصيبه نحن ونعرفه ، هو المحسوسات وخيالات مأخوذة منها ، ثمّ منها نصير إلى اقتناص الكلّيّات العقليّة .
وامّا إذا رتّبت الكلّيّات النوعيّة بإزاء الكلّيّات الجنسيّة ، كانت الكلّيّات الجنسيّة ، اقدم بالطبع ، وليست أعرف عند الطّبيعة ، وكانت الكلّيّات الجنسيّة أيضا أقدم واعرف عند عقولنا ، والكلّيات النوعيّة اشدّ تأخّرا واقلّ معرفة بالقياس الينا . وذلك لانّ طبيعة الجنس ، إذا رفعت ، ارتفعت طبائع الأنواع ، وان كانت طبيعة الجنس ، من جهة ما هي كلّيّة ، لا من جهة ما هي طبيعة فقط ، قائمة بالأنواع . فطبايع الأجناس اقدم بهذا الوجه من طبائع الأنواع ، لكنّ الأعرف عند الطبيعة هي طبائع الأنواع ، لانّ الطبيعة انّما تقصد لا طبيعة الجنس في ان توجد ، بل طبيعة النوع ، فيلزمها طبيعة الجنس على سبيل المقصود بالضرورة أو بالعرض . وذلك لانّ النوع هو المعنى الكامل المحصّل . وامّا طبيعة الجنس وحدها ، فلا يمكن ان يوضع له في الوجود تحصيل . والطبيعة تقصد الكامل المحصّل الّذي هو الغاية . وأيضا ، لو كان المقصود طبيعة الجنس بذاتها ، لما تكثّرت أنواع الجنس في الطبيعة ، ووقع الاقتصار على نوع واحد . وبعيد ان يظنّ ظانّ انّ طبيعة اللّون هي اعرف عند الطبيعة من البياض والسواد وغيرهما . بل الطبيعة الكلّية الممسكة لنظام العالم تقصد الطبائع النوعية ، والطبائع الجزئيّة الّتي ليست ذاتيّة لنظام العالم تقصد الطبائع الشّخصيّة ، والجنس داخل في القصد بالضرورة أو بالعرض .
فقد بان انّ طبائع الأنواع اعرف من طبائع الأجناس في الطبيعة ، وان كان الجنس اقدم بالطبع من النوع ، لكن طبائع الأجناس اقدم عندنا من طبائع الأنواع ، اعني بالقياس إلى عقولنا . انتهى .
ثمّ فصّل القول في الأعرف والأقدم عندنا وعند الطبيعة ، من البسائط والمركّبات .
القبسات — صفحة 156
مساهمون: السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
ص١٥٦